All Insights

التشريع المغربي ودوره في تعزيز الوساطة الأسرية

Osifjaoisjfoqi
Blog
by
خرشوش نورة
طالبة باحثة سنة أولى ماستر المنازعات الإجتماعية والأسرية
onAugust 29, 2026

تعتبر الأسرة اللبنة الأساسية لبناء مجتمع متماسك ومستقر، ومع تزايد التحديات الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة، ارتفعت نسبة النزاعات الأسرية التي تهدد كيان الأسرة بالتفكك. من هنا، أضحى البحث عن آليات بديلة لتسوية المنازعات ضرورة ملحة لتفادي ردهات المحاكم ومساطر التقاضي الطويلة والمعقدة. 

وتأتي الوساطة الأسرية كأبرز هذه الآليات الودية المعاصرة، باعتبارها تقنية تصالحية مرنة تعتمد على تدخل طرف ثالث محايد ومؤهل لتقريب وجهات النظر وتيسير الحوار بين الزوجين، بغية التوصل إلى حلول توافقية ترضي الطرفين وتصون مصلحة الأطفال الفضلى، وانسجاما مع هذا التوجه، سعى المشرع المغربي إلى إدماج هذه المقاربة الصلحية في ترسانته القانونية، سواء من خلال تفعيل مساطر الصلح القضائي أو الانفتاح على الوساطة الاتفاقية، وتتجلى أهمية هذا الموضوع في رصد المجهودات التشريعية المبذولة لحماية الأسرة، وإبراز الدور الفعال للوساطة في تقليص نسب الطلاق وتخفيف الضغط المتزايد على قضاء الأسرة بالمملكة.

وبناء على ذلك، يطرح الموضوع الإشكالية التالية :إلى أي حد استطاع التشريع المغربي توفير إطار قانوني ومؤسساتي فعال لتفعيل الوساطة الأسرية؟ وما هي أبرز التحديات التي تواجه تطبيقها على أرض الواقع لحماية الروابط العائلية من الانهيار؟

مفهوم الوساطة الأسرية و وسياقها القانوني في المغرب.

تكتسي الوساطة الأسرية أهمية بالغة كآلية بديلة لفض النزاعات. تُعرّف الوساطة لغة بأنها التوسط بين أمرين أو شخصين، ويُقصد بالوسيط الشخص الذي يتوسط بين المتخاصمين بهدف التقريب بينهم، وقد تشمل عمومًا كل توسط بين طرفين. أما في الاصطلاح القانوني، فتُعرّف الوساطة بأنها آلية لتسوية المنازعات بشكل ودي بين طرفين أو أكثر، بمساعدة شخص ثالث محايد ومستقل يتولى توجيه المفاوضات وتيسير الحوار بين الأطراف، ومساعدتهم على الوصول إلى حلول توافقية يمكن، عند الاقتضاء، صياغتها في شكل اتفاقات أو عقود. وتقوم الوساطة على تدخل طرف ثالث مستقل عن أطراف النزاع، يتسم بالحياد ولا يملك سلطة اتخاذ القرار نيابة عنهم، إذ تظل سلطة اتخاذ القرارات والمسؤولية عنها بيد الأطراف المتنازعة. وتنحصر مهمة الوسيط أساسا في تسهيل التواصل والتفاوض بين الأطراف، وتهيئة الظروف الملائمة للحوار، ومساعدتهم على الوصول إلى تسوية مقبولة بشكل ودي.

الوساطة الأسرية وسياقها القانوني في المغرب

تحظى الوساطة كألية بديلة لحل النزاعات الاسرية باهتمام بالغ من مختلف الأنظمة القانونية والقضائية الأجنبية، نظرا للمزايا التي توفرها والنتائج الايجابية المحفزة التي تحققها، مما دفع العديد من التشريعات ومن بينها المغرب إلى تبني واعتماد الوساطة كوسيلة لحل المنازعات الأسرية، خاصة وأنها ليس غريبة عن النظام القانوني والقضائي بالمغرب، ولا عن الثقافة والتقاليد والأعراف المغربية التي تشجع دائما على اللجوء إلى الصلح لوضع حدا للنزاع القائم بين الأطراف .

فبالنسبة لموقع الوساطة الأسرية في الدستور، عرفت الأسرة المغربية تحولات عميقة منذ الستينات في هياكلها ووظائفها مما استلزم العناية بها وإصلاحها للحفاظ على تماسكها واستقرارها وتأهيلها، لمقاومة تيارات الهدم والانحلال، لذلك تمثل الأسرة القائمة على الزواج الشرعي الخلية الأساسية والأساس المتين داخل كيان أي مجتمع، نظرا لما تقوم به من أدوار صعبة تتمثل في نقل وترسيخ قيم هذا المجتمع فهي المحضن الذي يتشرب منه الفرد القيم الأساسية لذلك تعمل الدولة بموجب التعديل الدستوري لسنة 2011 على ضمان الحماية الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية للأسرة.

بموجب الفصل 32 من الدستور على أن الأسرة القائمة على علاقة الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع، وأن واجب الدولة العمل على ضمان الحماية الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية لهذه الأسرة، بمقتضى القانون، بما يضمن وحدتها واستقرارها والمحافظة عليها من جهة، والسعي لتوفير الحماية القانونية، والاعتبار الاجتماعي والمعنوي لجميع الأطفال بكيفية متساوية بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية من جهة ثانية كما نص على إحداث مجلس استشاري للأسرة والطفولة 

بالرجوع لمقتضيات مدونة الأسرة يتبين أن المشرع كان واعيا بمدى أهمية تسوية النزاع قبل فك الرابطة الزوجية إذ أن مسطرة الصلح هو إجراء جوهري في جميع دعاوى الطلاق، باستثناء التطليق للغيبة وذلك حفاظا على كيان الأسرة ، غير أن المشرع المغربي لم يشر بشكل صريح إلى الوساطة مما تبقى المسألة غامضة وقابلة لأكثر من تأويل

فالقراءة الأولى تذهب في اتجاه عدم الأخذ بالوساطة لأن المادة 82 من مدونة الأسرة  جعلت إجراءات الصلح يقوم بها القاضي أو ينتدب لذلك الحكمين أو مجلس العائلة أو من تراه مؤهلا ولم تشر إلى أية وساطة بخلاف التشريعات المقارنة نظمت هذه المؤسسة بشكل مفصل.

أما القراءة الثانية فتذهب في اتجاه الأخذ بالوساطة وتستند على الخطاب الملكي الذي ألقي بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية ل 10 أكتوبر 2003 والذي استعرض أهم مستجدات مدونة الأسرة حيث يتبين من خلال قراءة الخطاب السامي أنه أعطى مؤشرات الإعمال نظام الوساطة، هذا إلى جانب أن المشرع أعطى للقاضي صلاحية انتداب كل من يراه مؤهلا لإجراء الصلح بين الزوجين.

أنواع  الوساطة الأسرية 

تتخذ الوساطة الأسرية شكلين أساسيين، هما الوساطة الاتفاقية والوساطة القضائية. ويقصد بالوساطة الاتفاقية تلك التي تتم بناء على اتفاق أطراف النزاع ورضاهم المشترك، حيث يلجؤون بإرادتهم إلى وسيط يختارونه لما يتوفر فيه من كفاءة وخبرة وثقة، بهدف مساعدتهم على الوصول إلى حل مناسب ومرضي لتسوية خلافاتهم. ومن ثم، تقوم الوساطة الاتفاقية على مبدأ الإرادة الحرة للأطراف، مما يجعل اللجوء إليها اختياريا وطوعيا.

ويحق لكل طرف في هذا النوع من الوساطة أن يقترح على الطرف الآخر أو على باقي الأطراف تسوية النزاع عن طريق الوساطة، بعيدًا عن الإجراءات القضائية أو التحكيمية، كما يمكن اللجوء إليها في أي مرحلة من مراحل النزاع. وفي هذا الإطار، عرّفت المادة 327-56 من قانون المسطرة المدنية اتفاق الوساطة بأنه العقد الذي يتفق الأطراف بموجبه على تعيين وسيط يتولى تسهيل إبرام صلح لإنهاء نزاع نشأ أو قد ينشأ بينهم، شريطة أن يتعلق النزاع بموضوع أو مسألة يجوز فيها الصلح.

أما الوساطة القضائية، فتتم تحت إشراف القضاء وتوجيهه، وتفترض وجود نزاع معروض أمام المحكمة، حيث يمكن لهذه الأخيرة تعيين وسيط مؤهل من بين الأشخاص أو الجهات المعتمدة للقيام بهذه المهمة، سواء كان شخصًا طبيعيا من ذوي الخبرة في المجال القانوني، كالقاضي أو المحامي أو الخبير، أو شخصًا معنويًا، كالشركات المتخصصة في الوساطة أو مكاتب الدراسات والاستشارات القانونية أو الجمعيات المهنية، أو غيرها من الجهات التي تراها المحكمة مؤهلة للقيام بمهمة الصلح. ويتولى الوسيط تيسير الحوار والتفاوض بين أطراف النزاع، والإشراف على جلسات الوساطة بهدف تقريب وجهات النظر ومساعدتهم على التوصل إلى تسوية ودية تحظى بقبولهم، بينما يتولى القاضي المكلف بهذه المهمة الإشراف على مسار الوساطة.

والوساطة القضائية ليست تفويضا من القاضي، لأنه لا يخول للوسيط أية سلطة، وإنما يبقى الوسيط تحت مراقبته، ويكون هو المختص للبث في حالة فشل الوساطة، فالقاضي يلعب هنا دورين دور وقائي للحفاظ على سلامة الإجراء، ودور ايجابي للأمر بإجراءات الإدارة القضائية، للوصول إلى حل للنزاع بمساعدة الوسيط، وإذا ما انتهت الوساطة إلى ميلاد اتفاق حبي، عمل القاضي على الإشراف على تنفيذ هذا الاتفاق الذي يعد بمثابة عقد لا يجوز التملص منه، إلا إذا كان مضرا بمصالح أحد الأطفال القاصرين، فإن القاضي يمكن له تعديل الاتفاق بما يحافظ على حقوق القاصر.

تأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن الوساطة الأسرية تشكل دعامة أساسية في منظومة العدالة البديلة بالمغرب، نظراً لقدرتها على معالجة النزاعات العائلية بروح مرنة تراعي الأبعاد النفسية والاجتماعية، بعيدا عن صرامة المساطر القضائية التقليدية،ومن خلال تنوع أنماطها بين ما هو مؤسساتي وقضائي واتفاقي وتقليدي، يتضح مدى غنى المرجعية المغربية في التعامل مع الخلافات الأسرية ومحاولة تطويقها قبل بلوغ مرحلة القطيعة.

-- 

تم إنجاز هذا المقال في إطار حملة التوعية القانونية التي يقودها طلبة الدفعة الثانية المشاركين في برنامج العيادة القانونية بوجدة، في إطار برنامج "تعزيز المشاركة بين المجتمع المدني والجامعة - جهة الشرق"، الذي تنفذه مؤسسة الأطلس الكبير والممول من الصندوق الوطني للديمقراطية (NED). ويهدف البرنامج إلى تعزيز التعاون بين الجامعات ومنظمات المجتمع المدني، وتزويد الطلبة بالمهارات العملية لمعالجة القضايا الاجتماعية والقانونية وتعزيز الوعي المجتمعي بجهة الشرق. المحتوى يعكس وجهة نظر الكاتب ولا يُمثّل بالضرورة موقف الجهات الداعمة أو المنفذة.