تعتبر الوساطة من أهم طرق تسوية النزاعات وهي وسيلة اختيارية غير ملزمة، يلجأ بموجبها الأطراف إلى طرف ثالث محايد يقوم بدور الوسيط في محاولة حل النزاع، عن طريق فحص طلبات وادعاءات الأطراف، ويساعدهم في التفاوض لفض النزاع.
كما تتميز الوساطة بمجموعة من المميزات نذكر منها السرعة حيث أن هناك بعض القضايا، تتضرر إذا تأخر البت فيها، وكذا السرية فهي تحافظ على الأسرار الخاصة لأطرافها، إذ نجد في بعض القضايا عادة ما يفضل أطرافها عدم نشر خلافاتهم لأن ذلك من شأنه أن يؤثر على سمعتهم، ومن مميزاتها كذلك المرونة حيث ليس هناك أي تقييد بأية شكلية مسطرية ولا أية وسائل إثبات معينة، بالإضافة إلى مشاركة الأطراف في حل النزاع وانخفاض التكلفة.
ويمكن تصنيف الوساطة بحسب طبيعة الشخص الوسيط وطريقة تعيينه إلى نوعين الوساطة القضائية والوساطة الاتفاقية، يقصد بالأولى تلك الوساطة التي تتم من خلال قضاة متخصصون يعينهم رئيس المحكمة يكون من مهامهم عند بداية عرض النزاعات بدل مساعي الوساطة وإدارتها من خلال التفاوض المباشر بين الخصوم، ويسمى القاضي المكلف بهذه المهمة قاضي الوساطة، أما الثانية في الوساطة التي تتم من خلال تعيين وسيط بناء على اتفاق الأطراف يكلف بموجبه بتسهيل الوصول إلى تسوية ودية تنهي النزاع بين الطرفين بعيدا عن المحاكم، وقد نظم المشرع المغربي هذا النوع الأخير من الوساطة في القسم الثاني من القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية.
وتجد الوساطة الأسرية أسسها في ثقافة المجتمع المغربي وما تزخر به من اعراف وتقاليد تتعلق بتسوية النزاعات الأسرية بطرق ودية فعالة، من قبل بعض المؤسسات العرفية الموجودة في الواقع المغربي، كمؤسسة الزوايا وشيخ القبيلة وغيرها من المؤسسات.
ويلاحظ أن مواد مدونة الأسرة بنيت على القواعد والقيم الإسلامية الرامية إلى الحفاظ على الأسرة، وتوفير البيئة المناسبة لنمو الأطفال، ومن ذلك أنها أكدت على الصلح والإصلاح، وجعلته آلية لازمة لفض النزاع والخلاف الأسري، وهو ما يشير إليه كتاب انحلال ميثاق الزوجية في المواد من 81 إلى 83 وكذا من في المواد من 95 إلى 97.
وبالرغم من غياب إطار قانوني ينظم الوساطة الأسرية بشكل خاص، يمكن حل المنازعات الأسرية باللجوء إلى الوساطة الاتفاقية المنظمة بمقتضى القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، على اعتبار أن المنازعات الأسرية تدخل ضمن القضايا المدنية. وهو ما يدفعنا إلى طرح إشكالية مفادها إلى أي حد يمكن اعتبار الوساطة الاتفاقية وسيلة فعالة لفض المنازعات الأسرية؟
ومن أجل الإحاطة بالموضوع والإجابة على الإشكالية المطروحة ارتأيت تقسيم الموضوع وفق ما يلي:
المطلب الأول: الشروط الواجب توافرها في اتفاق الوساطة
عرف المشرع المغربي اتفاق الوساطة في الفقرة الأولى من المادة 87 من القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية على أنه العقد الذي يتفق الأطراف بموجبه على تعيين وسيط يكلف بتسهيل إبرام صلح لإنهاء نزاع نشأ أو قد ينشأ فيما بعد، يسمى هذا الاتفاق إذا تم إبرامه بعد نشوء النزاع بعقد الوساطة، أما إذا تم التنصيص عليه في الاتفاق الأصلي فيطلق عليه شرط الوساطة، ومناط هذا الأخير هو أن يتفق الأطراف على اللجوء إلى وسيط لفض نزاعاتهم، وذلك قبل نشوء أي نزاع بينهم، ويكون هذا الشرط ملزما لمن اتفقوا عليه في حالة حدوث خلاف بينهم.
كما يمكن الإحالة في عقد ما إلى وثيقة تتضمن شرط وساطة بمثابة اتفاق وساطة على أن يكون العقد المذكور قد أبرم كتابة وأن يكون من شأن الإحالة أن تجعل من الشرط جزءا لا التباس فيه من العقد، ويسمى في هذه الحالة بشرط الوساطة بالإحالة.
يعد اتفاق الوساطة عقد كغيره من العقود لابد من أن تتوافر فيه الشروط الموضوعية للتعاقد من أهلية ورضا وسبب ومحل، كما حدد المشرع المغربي المسائل التي لا يجوز إبرام اتفاق الوساطة وهي المسائل المستثناة من نطاق تطبيق الصلح.
وبالرجوع إلى الفصلين 1100 و1102 من قانون الالتزامات والعقود يتبين أن المسائل المستثناة من نطاق تطبيق الصلح هي المسائل المتعلقة بالحالة الشخصية أو بالنظام العام أو بالحقوق الشخصية الأخرى الخارجة عن دائرة التعامل، والتي لا يجوز شرعا التعاقد عليه بين المسلمين، بالإضافة إلى حق النفقة، غير أنه يجوز إبرام اتفاق الوساطة على طريقة أداء حق النفقة أو على أداء أقساطه التي استحقت فعلا، كما اشترط المشرع المغربي لإبرام اتفاق الوساطة مراعاة التحفظات أو الشروط أو الحدود المقررة لصحة الصلح بموجب الفصول من 1099 إلى 1104 من نفس القانون.
أما بخصوص الشروط الشكلية فقد اشترط المشرع المغربي ضرورة كتابة اتفاق الوساطة دون اشتراط الرسمية، إذ يمكن أن يبرم في بعقد رسمي أو عرفي وإما بمحضر يحرر أمام المحكمة، كما يعد مبرما كتابة إذا ورد في وثيقة موقعة من الأطراف أو في رسائل متبادلة أو اتصال بالتلكس أو برقيات أو أية وسيلة أخرى من وسائل الاتصال تثبت وجوده أو حتى بتبادل مذكرات الطلب أو الدفاع التي يدعي فيها أحد الطرفين وجود اتفاق الوساطة دون أن ينازعه الطرف الآخر في ذلك.
كما رتب المشرع المغربي البطلان في حالة عدم كتابة شرط الوساطة في الاتفاق الأصلي أو في وثيقة تحيل إليه، وعن عدم تضمين عقد الوساطة تحديد موضوع النزاع و تعيين الوسيط أو التنصيص على طريقة تعيينه، وهو ما يعني أن شكلية إبرام اتفاق الوساطة تعد شرطا لصحة انعقاده وليس فقط شرطا للإثبات.
المطلب الثاني: الإجراءات القانونية لاتفاق الوساطة لفض النزاعات الأسرية
تبدأ إجراءات الوساطة من اليوم الذي تتفق فيه أطراف المنازعة على المشاركة في إجراءات الوساطة، حيث يتعين على الطرف الذي يريد بدء الإجراءات أن يخبر الطرف الآخر بذلك في الحال ويرفع الشرط إلى الوسيط المعين، وذلك في حالة ما إذا كان هذا الأخير قد سبق تعيينه في اتفاق الوساطة، أما في حالة عدم تعيينه وتم الاكتفاء بتحديد طريقة تعيينه فإنه يكون للطرف الذي يرغب في بدء إجراءات الوساطة الاتفاقية طلب بدء إجراءات تعين الوسيط وفق ما تم الاتفاق عليه، وفي هذه الحالة يجب على الوسيط، فور قبوله المهمة المسندة إليه، أن يخبر بذلك الأطراف بكل الوسائل المتاحة.
ويقصد بالوسيط شخص من الغير محايد ومستقل يقوم بتسهيل وتنسيق المفاوضات التي تجمع أطراف النزاع، والمحفز لهم من أجل التواصل إلى حل ودي لنزاعهم الناشئ أو الذي قد ينشأ فيما بعد بينهم، وقد أجاز المشرع المغربي أن يعهد بالوساطة إلى شخص طبيعي أو معنوي.
ويشترط فيه عند اختياره أن يكون مستقلا ومحايدا، وعند الاقتضاء يتعين أن تكون جنسيته مختلفة عن دولة أو دول جنسية أطراف النزاع، وذلك لضمان تحقيق شرط الحياد والنزاهة والاستقلال، كما يتعين في الوسيط أن يكون متخصصا ومؤهلا لقيادة عملية الوساطة، والمحافظة على مجريات الوساطة وما تم خلالها من تبادل الوثائق والطلبات سرا، ما لم يسمح له طرفا النزاع صراحة بالنشر، أو يقوم بذلك تنفيذا للقانون، بالإضافة إلى الكفاءة والشفافية وغيرها من الشروط.
وفي هذا الإطار نجد بعض الدول تعلم على تكوين وسطاء في النزاعات الأسرية، ومن هذه الدول فرنسا، حيث أصدرت قرار صادر عن وزارة الشؤون الاجتماعية سنة 2004، وضعت من خلاله نظام الحصول على دبلوم الوساطة الأسرية، يتقضى الحصول عليه التوفر على مجموعة من الشروط أهمها التوفر على خبرة في مجال العمل العائلي والتربوي والنفسي.
وعلى خلاف تشكيل هيئة التحكيم الذي يكون العدد فردي دائما وإلا كان التحكيم باطلا، فإنه في الوساطة يكون هناك وسيطا واحدا، ما لم يتفق الأطراف أن يكون هناك وسيطان أو أكثر، بمعنى أنه لا يشترط في الوساطة أن يكون عدد الوسطاء وترا.
أما فيما يخص مدة مهمة الوسيط، فيمكن للأطراف تحديدها في أول الأمر دون أن تتجاوز أجل ثلاثة أشهر من التاريخ الذي قبل فيه الوسيط مهمته، كما يمكن للأطراف تمديد الأجل المذكور باتفاق يبرم وفق نفس الشروط المعتمدة لإبرام اتفاق الوساطة، وخلال هذا الأجل لا يمكن للوسيط أن يتخلى عن مهمته إلا بانصرامه أو باتفاق الأطراف.
وبعد تعين الوسيط وتحديد الاجراءات التي سيتم اتباعها في عملية الوساطة، تبدأ مرحلة مناقشة موضوع النزاع، وذلك بعقد اجتماعات تمهيدية لتعريف الأطراف بمجريات المسطرة، وتستمر بعقد جلسات مغلقة مع كل طرف أو جلسات مشتركة، ويتم خلال ذلك تقريب وجهات نظر الأطراف لتسهيل وصولهم للصلح.
كما قد يلجأ أطراف النزاع إلى الوساطة المؤسساتية أو النظامية، وهي الوساطة التي تتم عن طريق مؤسسات أو مراكز الوساطة والتحكيم، حيث يتم إجراء الوساطة من خلال تقديم طلب إلى مركز أو مؤسسة الوساطة التي تم تعينها، والتي تقوم بدورها باقتراح أو تعين وسيط لمساعدة الأطراف على حل النزاع الناشئ بينهم.
وتنتهي عملية الوساطة الاتفاقية، سواء تم اختيار الوسيط بالاتفاق بين طرفي النزاع أو باللجوء إلى الوساطة المؤسساتية أو النظامية، بإحدى الحالتين الآتيتين:
الحالة الأولى: توصل الوسيط إلى تسوية النزاع وديا بين الطرفين، حيث يقترح الوسيط، عند انتهاء مهمته، على الأطراف مشروع صلح أو بيانا عن الأعمال التي قام بها، ويحرر ذلك في وثيقة صلح تتضمن وقائع النزاع وكيفية حله وما توصل إليه وما اتفق عليه الأطراف على الشكل الذي يضع حدا للنزاع القائم بينهم، وبعد انتهاء الوسيط من إعداد وثيقة الصلح يقوم بالتوقيع عليها وعرضها على طرفي النزاع للتوقيع عليها، ويتم التوقيع في هذه الحالة إلكترونيا.
ويعتبر هذا اتفاق واجب النفاذ وملزم للأطراف، وفي هذا الإطار نص المشرع المغربي على أن الصلح بين الأطراف يكتسي قوة الشيء المقضي به، ويمكن أن يذيل بالصيغة التنفيذية، ويعد رئيس المحكمة المختص محليا للبت في موضوع النزاع هو المختص بإعطاء الصيغة التنفيذية.
الحالة الثانية: عدم توصل الوسيط إلى تسوية النزاع بين الأطراف، وذلك لعدة أسباب مختلفة، كانقضاء المدة التي حددها الأطراف للوسيط للقيام بمهمته دون التوصل إلى حل للنزاع، أو أن يصدر الوسيط، بعد تشاور الأطراف، إعلانا يبين فيه أنه لا يوجد ما يسوغ القيام بالمزيد من جهود الوساطة، كما يمكن أن يصدر أحد الأطراف إعلانا موجها إلى الطرف الآخر، أو إلى الوسيط، في حالة تعيينه، يفيد إنهاء إجراءات الوساطة، وغيرها من الأسباب، ويتعين على الوسيط في حالة عدم وقوع الصلح لأي سبب من الأسباب المذكورة أن يسلم وثيقة عدم وقوع الصلح التي تحمل توقيعه للأطراف، وفي هذه الحالة يمكن لأي طرف من الأطراف اللجوء إلى القضاء لحل النزاع مادام أنه استنفذ إجراء الوساطة.
وفي الأخير لابد من الإشارة إلى أن تفعيل الوساطة الأسرية لا يرتبط بالجانب القانوني فقط، بل يتطلب قيام الجهات المعنية بمجموعة من الجهود الرامية إلى إعمال الوساطة الأسرية وتفعيلها، ومن هذه الجهات وزارة العدل وفعاليات المجتمع المدني، حيث تم إحداث بعض المراكز للوساطة الأسرية كمركز الكرامة وجمعية شمل الأسرة والمرأة، بالإضافة إلى إطلاق حملات تحسيسية بأهمية الوساطة الأسرية والتشجيع اللجوء إليها، كما يجب تكوين وسطاء في القضايا الأسرية وتأهيلهم.
تم إنجاز هذا المقال في إطار حملة التوعية القانونية التي يقودها طلبة الدفعة الأولى المشاركين في برنامج العيادة القانونية بوجدة، في إطار برنامج "تعزيزالمشاركةبينالمجتمعالمدنيوالجامعة-جهةالشرق"، الذي تنفذه مؤسسةالأطلسالكبير والممول من الصندوق الوطني للديمقراطية (NED). ويهدف البرنامج إلى تعزيز التعاون بين الجامعات ومنظمات المجتمع المدني، وتزويد الطلبة بالمهارات العملية لمعالجة القضايا الاجتماعية والقانونية وتعزيز الوعي المجتمعي بجهة الشرق. المحتوى يعكس وجهة نظر الكاتب ولا يُمثّل بالضرورة موقف الجهات الداعمة أو المنفذة.
