All Insights

مَاخَفِيَ مِن دُرَرِ الرِّيف

2
Publication
by
Zineb Laadam
Empowerment Facilitator
onJanuary 3, 2024

عجيب أمر تلك السيدة بدت وكأنها مهمومة حينما سألتها ماذا يعني لك الجمال فزفرت زفرة طويلة تكاد تتساقط لها وأجابت "هو أن يتركني الناس أياما لوحدي من دون ازعاج، لأصنع بيدي هاتين زربية بألوان مشرقة، تسعد نظر الرائي فيراها جميلة… الجمال ما نفقده ونشعر بالحاجة الماسة إليه، ثم نحيا من جديد بمجرد الحصول عليه أو حتى على بعض ملامحه، لا أخفيك أنني أفقد نفسي أحيانا و أنا أبحث عمن يعترف بحرفتي (نسيج الزرابي)، أفقد جمالية ما تصنعه يدي وأنا أبحث عمن يشتري تلك التحفة الفنية المنسوجة، والتي لايراها أغلبهم تحفة بقدر ما يرونها عرضا زهيد الثمن يستوجب الظفر به "من كلام خديجة.

لا أدري إن كان بمقدوري أن أكون منصفة من حيث ذكر أكبر قدر من الأسماء في كتابتي هاته، كتابتي التي ابتدأت بنبذة عن الجمال، بعدما أستشعرت مدى التبخيس الذي لحق ما اكتنزته المرأة الريفية من مهارات طوال عقود من الزمن… مهارات وصعوبات تحدثت عنها نساء دوار توزلت بجماعة سيدي بوتميم بإقليم الحسيمة أثناء ورشة المواكبة النفسية التي تشرف عليها مؤسسة الأطلس الكبير، وهو ما جعلني أرغب في البحث بين طيات الكتب لنكتشف معا تلك الدُّرَر المخفية من النساء الريفيات، ليس عن الغرباء فحسب، بل عن العديد من أبناء المنطقة أنفسهم !

إن تلك المصنوعات التي جادت بها أيدي النساء الريفيات عبارة عن متحف رائع؛ وحي من حيث تقنياته، يضم التقاليد والأفكار التليدة العجيبة بشكل مدهش وجذاب. أما عن تفاصيل صنعها، سواء تعلق الأمر بالتنسيق أو حيثيات التزيين، أو الأشكال الهندسية، أو الألوان الأولية والصباغة التي كانت تصنع من خيوط الصوف أو أحيانا من شعر أو وبر الحيوانات، فتتميز بالبساطة المطلقة البعيدة عن كل التعقيدات، وقد تم توارثها عبر الأجيال لتحافظ على صيغتها الى الوقت الراهن.

Zineb2

نموذج حديث لزربية من نفس القبيلة (ابقوين) مصدر الصورة: زينب لعظم


إن من أهم ما تميزت به المرأة الريفية أيضا صناعة الفخار، والذي يعتبر مظهرا فنيا محضا، لأجل ذلك لازال البعض منهن يطمحن إلى إنشاء ورشات لباقي النسوة سعيا لتعليم هذه الحرفة للجيل الصاعد، باعتبار ذلك أفضل طريقة للحفاظ على تراث المنطقة، ناهيك عن ما توفره هذه الحرفة من مقومات من شأنها أن تطور اقتصاد القبيلة.

وقد أبدى المهندس المعماري الاسباني إميليو بلانكو إعجابه الكبير خلال بحثه عن صناعة الفخار بالمنطقة، وأشاد ببعض من إشتهر بذلك في قبيلة "إبقوين"، كالحاجة عائشة بنت الحاج محمد بن شعيب وابنتها، ولويزة بنت الحاج اللوه (2)، فهاتان الريفيتان تعتبران نموذجا للريفيات اللواتي دفعن ببناتهن إلى تعلم الحرف، إذ هكذا يكرس الإبداع وتمرير الثقافة.

ما يميزهذه الحرفة بالريف أنها كانت تعد حكرا على النساء؛ وذلك لحاجتهن لأواني منزلية يوظفنها في أشغالهن اليومية، وقد كانت هذه الأواني تزين برموز وأشكال متنوعة، كالنقاط المتجاورة والخطوط الخماسية، والعديد من الرموز التي تشكل بعضا من أشكال اللغة السرية لدى المرأة الريفية…!

Zineb3

نماذج قديمة من الفخار بقبيلتي ابقيون وايت ورياغل

تتقاطع جل تلك الإنتاجات الفنية التي تنتجها أنامل الريفيات في مشترك ثقافي،يتحدد في"الرمزية الممتدة "(3) العابرة للحِرَف، لأن اللاوعي الجمعي للمرأة الريفية خزن علامات عديدة تعج بالدلالات، وأرشدها لتزيين جسدها، وصوفها، وخزفها بنفس الرموز، وهي الرموز التي تدل على الماء، والهواء، والنار، والتراب و رموز أخرى تم استدماجها من الطبيعة، مثل الشمس، والنبات، إلخ…

أما عن مكانتها داخل مؤسسة الأسرة، فإن المرأة الريفية تعد رائدة بالنظر لتعدد الوظائف الملقاة على كاهلها. لقد كانت هذه الدرر من النساء تواظبن على الأعمال الروتينية اليومية، وذلك بالعناية بالزوج والأطفال والبيت من خلال إعداد الطعام، وطهي الخبز في التنور إلى طحن الحبوب، وجلب الماء و الخشب، والكلأ للبهائم، وغسل الملابس... كما أنهن يسهمن في القيام بالأعمال الفلاحية بدءا من عمليات الحرث إلى الحصاد (جلب التين من البيدر إلى المنزل، نقل البذور وزراعتها، تنقية الحقل من الأعشاب الضارة…)

لقد عاشت المرأة الريفية حقا في انسجام وتناغم مع الطبيعة المحيطة بجبال الريف، وتكيفت مع محيطها الذي استمدت منه موادها الأولية في التنظيف، مثل "أذجيان"(4)، ونظرا لندرة الماء الذي تعاني منه ساكنة الريف، فقد اضطرت الريفية إلى غسل ملابسها في الينابيع المائية.

Zineb4

لوحة تختزل بعض الأعمال التي كانت تقوم بها المرأة الريفية

لم ينحصر تميز المرأة الريفية في الابداعات اليدوية و الأعمال المنزلية فحسب، بل إن المتتبع لتاريخ التعليم بالريف، لتنكشف أمامه إشارات عدة تؤكد انخراط المرأة الريفية في مجال التعلم والتعليم منذ قرون عديدة، وقد ساعدها على ذلك عدة عوامل، لعل من أهمها حرص علماء المنطقة على تعليمها وتنويرها.

وقد عرف في هذا السياق عدد من العلماء الذين حملوا مشعل التنوير، فركزوا جهودهم على توجيه الناس وإرشادهم إلى تعليم نساء الريف، ولعل من أشهرهم الشيخ عبد الله الهبطي(5) الذي عرف عنه أنه كان يصرخ بشدة في وجه الذين يعملون على انحراف المرأة، أو يساعدون على ذلك، وفي وجه الذين يعملون على تركها غارقة في الجهالة. ولم يكن نضاله في هذا الباب بالقول فقط، بل كان بالفعل أيضا إذ يذكرأنه خصص جناحا خاصا للنساء بزاويته بمثابة معهد لتعليم النساء أمور دينهن.

ولم يكتف الرجل بهذا، بل إنه أوكل مهمة الإشراف الإداري والتعليمي لهذا الجناح من المعهد الذي كان يعرف بمعهد المواهب - إلى زوجته السيدة آمنة بنت الفقيه علي بن خجو، والتي كانت تتولى فيه أيضا تعليم النساء ما يتعلق بأمور الدين والدنيا(6)، وقد عرف هذا المعهد بكثرة من تخرج منه رجالا ونساء، و برصانة المواد المدرسة فيه.

إن تتبع الأسماء التي برزت من نساء الريف في مختلف مجالات المعرفة يحتاج إلى جهد ووقت ودراسة، لكن حسبي في هذه المقالة التمثيل ببعض النماذج التي تيسر لي الوقوف على سيرها عقب الاستلهام الذي استشعرته أثناء ورشات المواكبة النفسية، بعدما كنت أستبعد -عن مماطلة غير مقصودة- التعمق في البحث عن حقائق انجازات تلك النسوة، وأنا أرى بعض التهميش الذي طال تلك الدرر الريفية من حيث التعريف بها.

ففي مجال علم الفقه برز عدد من النسوة بالريف، احتفظت كتب التراجم بأسماء بعضهن، ومنهن السيدة آمنة بنت علي بن خجو، وقد كانت هذه السيدة فقيهة عالمة راكمت معارف جمة من خلال بيئتها، وهي من منارات المغرب العلمية.إذ أشاد بذكاء وتحصيل هذه الفقيهة محمد بن عبد الله الهبطي، وذكر أنها كانت تحاور زوجها عبد الله الهبطي محاورة علمية، وتسأله أسئلة دقيقة في موضوعات مختلفة، ونقل اعتراف الناس بأنهم استفادوا من علمها ومن جودة إدراكها(7).

ومن فقيهات الريف أيضا السيدة للاغيلانة و السيدة خديجة بنت عبد الله الحوات و عالمة بني زروال السيدة عائشة بنت أحمد الشريف العلوى(7).

وإذا تحدثت عن مجال علوم الحديث، وجدت للمرأة الريفية فيه نصيب أيضا، وقد إشتهر من النساء فيه: أم المجد مريم بنت أبي الحسن الشاري الغافقي، درست علوم الحديث، واهتمت بروايته وإسناده، ولأجل ذلك وصفها محمد بن القاسم السبتي الأنصاري بـ "العجوز المسندة".

وقد عرف إلى جانبها في باب العناية برواية الحديث الشريف سيدتان: أولهما: ست العرب بنت عبد المهيمن الحضرمي السبتي، وثانيتهما: أمة الرحيم السبتية(8).

ومن الفروع المعرفية التي اقتحمتها المرأة بالريف أيضا علوم الطب وصناعة الأدوية، ولحسن الحظ أن بعض الكتب قد احتفظت لنا بأسماء نساء لهن باع في هذا الباب، منهن الطبيبة عائشة ابنة الشيخ محمد بن الجيار محتسب سبتة.

أخذت هذه السيدة علم الطب عن صهرها الشيخ الشهير الشريشي، ونبغت فيه، وكانت عارفة بخواص العقاقير وما يرجع إلى ذلك. اشتهرت عند الأمراء، فكانوا يغدقون عليها من عطاياهم لأجل إتقانها لصنعة الطب. وقد أوصت الطبيبة عائشة في آخر عمرها بتوقيف أملاكها في وجوه البر والإحسان(9)، ولا أستبعد أن يكون لهذه المرأة مثيلات ونظائر.