All Insights

صناعة قادة التغيير: : تدريب المدربين لتعزيز الوعي القانوني بجهة الشرق

Unnamed 84
Blog
by
Salah Eddine Khaldoune
Rising Roots Morocco Program Graduate
onJuly 19, 2026

في 4 يوليوز 2026، شاركت في ورشة تدريب المدربين التي نظمت بكلية الحقوق بجامعة محمد الأول بوجدة، في إطار مشروع "تعزيز المشاركة بين المجتمع المدني والجامعة – جهة الشرق". وجمعت الورشة ممثلين عن جمعيات المجتمع المدني وطلبة العيادة القانونية، بهدف إعداد ميسّرين قادرين على تنظيم ورشات للتوعية القانونية داخل مجتمعاتهم.

حولي، جلس ممثلو جمعيات المجتمع المدني جنباً إلى جنب مع طلبة العيادة القانونية بوجدة، كل واحد منهم يحمل سؤاله الخاص وتجربته الخاصة. دخلت الورشة متوقعا يوما تدريبيا اعتياديا، لكنني خرجتُ منها بفهم أعمق للدور الذي يمكن أن تؤديه المعرفة القانونية في دعم العمل المدني. فلم يقتصر البرنامج على تقديم معلومات قانونية، بل ركز أيضا على كيفية تبسيطها ونقلها إلى الآخرين بطريقة عملية وتفاعلية.

أشرف على الورشة الأستاذ الدكتور حميد اربيعي، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بوجدة ومدير مختبر الدراسات والأبحاث في حقوق الإنسان والديمقراطية. ومنذ بداية الجلسة، لفت انتباهنا بإحصائية تعكس واقع العمل الجمعوي في المغرب؛ إذ يضم النسيج الجمعوي اليوم نحو 230 ألف جمعية، وفقاً لمعطيات الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان.

Image3

توقف قليلاً، ثم أضاف الجملة التي غيّرت نبرة القاعة: النسبة الفاعلة والنشيطة من هذا العدد الهائل... ضئيلة جداً.

أوضح الدكتور اربيعي أن نسبة الجمعيات النشيطة والفاعلة تظل محدودة مقارنة بعدد الجمعيات المسجلة، وهو ما يعكس تحديات مرتبطة بالقدرات التنظيمية، ومعرفة الإطار القانوني، وإتقان المساطر الإدارية. وأشار إلى أن تجاوز هذه التحديات يتطلب الاستثمار في بناء قدرات الفاعلين المدنيين، حتى تتمكن الجمعيات من أداء أدوارها التنموية بكفاءة أكبر.

وفي هذا السياق، استعرض أحد أبرز المكتسبات الدستورية التي عززت استقلالية المجتمع المدني، والمتمثل في الفصل 12 من دستور 2011، الذي جعل حل الجمعيات اختصاصاً حصرياً للقضاء، بما يوفر ضمانة قانونية لحماية حرية تأسيس الجمعيات وممارسة أنشطتها في إطار القانون.

رحلة عبر الزمن: من خطاب 1990 إلى دستور "الديمقراطية التشاركية"

انتقل بنا الدكتور اربيعي بعد ذلك إلى قراءة تاريخية لتطور مكانة المجتمع المدني في المغرب، بدءاً من خطاب الملك الراحل الحسن الثاني في ماي 1990، الذي شكل محطة مهمة في الاعتراف بالدور المتنامي للجمعيات، وصولاً إلى دستور 2011، الذي كرس مفهوم الديمقراطية التشاركية باعتباره أحد مرتكزات الحكامة الجيدة.

ومع توسع أدوار الجمعيات، برزت الحاجة إلى إطار قانوني ينظم عملها ويعزز الشفافية في تدبير الموارد. وفي هذا السياق، تناولت الورشة القانون رقم 18.18 المتمم للظهير الشريف المنظم للإحسان العمومي، والذي يحدد شروط تنظيم حملات جمع التبرعات والهبات، من خلال مساطر تشمل الحصول على ترخيص مسبق، وتحديد مدة الحملة ومجالها الترابي، وتقديم كشف مفصل بالمبالغ المحصلة وأوجه صرفها، بما يعزز الثقة ويحمي حقوق المتبرعين.

كما ناقشنا واقع تفعيل الفصل 13 من الدستور، الذي ينص على إشراك المواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية. ورغم الأهمية التي يكتسيها هذا المبدأ، فقد أكد النقاش أن تفعيله على أرض الواقع ما زال يواجه عدداً من التحديات. 

في المقابل، تعرفنا على آليتين دستوريتين تمنحان المواطنين والجمعيات وسائل عملية للمشاركة في الشأن العام.

 تتمثل الأولى في الملتمسات في مجال التشريع، التي يكفلها الفصل 14 من الدستور وينظمها القانون التنظيمي رقم 64.14، بما يتيح للمواطنات والمواطنين اقتراح نصوص تشريعية وفق شروط وإجراءات محددة. أما الآلية الثانية فهي تقديم العرائض إلى السلطات العمومية، التي ينص عليها الفصل 15 من الدستور وينظمها القانون التنظيمي رقم 70.21، بما يسمح للمواطنين بعرض مطالبهم واقتراحاتهم على المؤسسات العمومية وفق مساطر قانونية واضحة.

وهكذا، لم تعد القوانين حبراً على ورق. أصبحت أدوات حقيقية بين أيدينا حيث بدأت النصوص القانونية تبدو أكثر ارتباطاً بالواقع العملي. فلم تعد مواد دستورية مجردة، بل أدوات يمكن أن يستند إليها الفاعلون المدنيون للمساهمة في تعزيز المشاركة المواطنة والدفاع عن قضايا مجتمعاتهم.

من اكتساب المعرفة إلى اكتساب مهارات التيسير

خصص الجزء الثاني من الورشة للانتقال من فهم الإطار القانوني إلى تعلم كيفية نقله إلى الآخرين. فلم يعد دورنا يقتصر على تلقي المعلومات، بل أصبحنا نستعد لتنظيم ورشات توعوية وتيسير النقاشات داخل مجتمعاتنا ومؤسساتنا.

علّمنا الدكتور اربيعي درساً بسيطاً لكنه عميق: الميسّر الجيد لا يرتجل أبداً، عليه أن يعرف الإطار المؤسساتي والمعياري لموضوعه معرفة تامة، وأن يجعل من الصكوك الدولية بوصلته، مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) لسنة 1979، التي صادق عليها المغرب والتزم بموجبها بمواءمة تشريعه الداخلي مع مبادئ المساواة وعدم التمييز، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يشكل مرجعاً أساسياً لحقوق التقاضي وحرية التنظيم وتكوين الجمعيات.

Image1

ثم دخلنا في نقاش حول مفهوم "الملاءمة"، كيف يتسلل النص الدولي إلى داخل القانون الوطني؟ كيف ينسخه أحياناً بصمت لتوحيد الرؤية؟ ضربنا لذلك أمثلة من الواقع: حالة الإكراه البدني كوسيلة لتنفيذ الديون التعاقدية، والذي كان ينظمه ظهير 1961 قبل أن يعاد النظر فيه تماشياً مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تمنع سجن المدين لعجزه عن الوفاء بالتزام مدني، والمادة 22 من القانون رقم 92.12 المتعلق بالجمعيات وهيئات المجتمع المدني، والتي تتناول شروط وضوابط حل الجمعيات وضمانات المساطر القضائية المصاحبة لذلك. وتعلمنا، أخيراً، أن نميز بدقة بين "القانون التنظيمي"، وهو نص يصدر تطبيقاً لأحكام دستورية صريحة تحيل عليه، و"القرار التنظيمي"، وهو نص إداري صادر عن سلطة تنفيذية لتفعيل مقتضيات قانون قائم - لأن من لا يضبط المفاهيم، لن يستطيع قيادة ورشة ناجحة أبداً.

لم تكن هذه الورشة مجرد يوم عابر في أجندة مزدحمة. كانت جسراً حقيقياً، بُني حجراً حجراً، بين الجامعة ومحيطها المدني في جهة الشرق. جسر هدفه واحد: خدمة المجتمع، وبناء الإنسان، فالخروج من "زمن الهدر" لا يحتاج معجزة من السماء، بل يحتاج فاعلين مدنيين يقررون استبدال العشوائية بالمعرفة، ويملكون الجرأة الكافية لفتح كتاب الدستور وتفكيك القوانين، وتحويلها إلى ورشات تنبض بالحياة.

غادرتُ الورشة بقناعة جديدة مفادها أن المعرفة القانونية تصبح أكثر أثراً عندما تتحول إلى ممارسة، وأن الاستثمار في تدريب المدربين يسهم في توسيع دائرة الاستفادة، من خلال تمكين المشاركين من نقل ما تعلموه إلى جمعياتهم ومؤسساتهم، بما يعزز مشاركة المجتمع المدني في التنمية المحلية وفي ترسيخ ثقافة الحقوق والمسؤوليات.