الحق في الحصول على المعلومة بالمغرب وإشكالية التفعيل

أقر المشرع المغربي حق الحصول على المعلومات وجعله من أهم الضمانات الدستورية، وذلك في إطار تعزيز الشفافية في تدبير الشأن العام والسعي لترسيخ دولة الحق والقانون. وقد نص الدستور 2011 على أن "للمواطنات والمواطنين الحق في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. ولا يمكن تقييد الحق في المعلومة إلا بمقتضى القانون". كما جاء القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات ليحدد مجال تطبيق هذا الحق الموجودة في حوزة الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، وكذا شروط وكيفيات ممارسته.
وفي ظل هذه التحولات القانونية والتشريعية، تبرز إشكالية الموضوع التالية: ما واقع الحق في الحصول على المعلومة بالمغرب بين رهان الشفافية وإشكالية التفعيل في ظل الاستثناءات المقيدة له؟
الحق في الحصول على المعلومات في دستور 2011: التأصيل المفاهيمي والتكريس الدستوري
يُعرف حق في الحصول على المعلومة، من الناحية القانونية، بأنه إمكانية الحصول على جميع السجلات التي تحتفظ بها هيئة عامة بغض النظر على الصورة المخزنة بها هذه المعلومات أو مصدرها. كما أنه "الحق في السؤال عن أي معلومة رسمية وتلقي الإجابة عنها سواء كان ذلك كتابة أو شفاهية"، وهو حق مضمون للجميع دون تفرقة أو تمييز أو تحيز. كما أن ممارسة هذا الحق يكون بأسلوبين، الأول مباشرا، وهو الاقتراب من مصادر المعلومات والاطلاع عليها، في حين أن الثاني غير مباشر، وذلك عن طريق وسائل الإعلام والوسائط المختلفة.
كما يعني هذا الحق أيضا حرية الحصول على المعلومات والأفكار وتلقيها وإذاعتها ونشرها من كافة مصادرها، لتتاح بذلك الفرصة أمام الجمهور لتكوين آرائه ومواقفه دون ضغوط لتبني مواقف معينة أو منع وصول آراء وأفكار بديلة. فهو أيضا "حق الإنسان في أن توفر له الدولة شتى السبل الملائمة لتتدفق من خلالها المعلومات والآراء والأفكار، ليختار من بينها وفقا لإرادته الحرة، بعيدا عن تدخلها أو تدخل الغير الذي من شأنه إعاقة أو الحد أو الإنقاص أو منع تمتعه بهذه الحرية".
أما في التشريع المغربي، فيقصد بالمعلومات، تلك المعطيات والإحصائيات المُعَبَر عنها في شكل أرقام أو حروف أو رسوم أو صور أو تسجيل سمعي بصري أو أي شكل آخر، والمضمنة في وثائق ومستندات وتقارير ودراسات وقرارات ودوريات ومناشير ومذكرات وقواعد البيانات وغيرها من الوثائق ذات الطابع العام، التي تنتجها أو تتوصل بها المؤسسات أو الهيئات المهنية في إطار مهام المرفق العام، كيفما كانت الدعامة الموجودة فيها، ورقية أو الكترونية أو غيرها.
لذا، يجب أن تشمل هذه المعلومات كافة المواد التي تحتفظ بها المؤسسات أو الهيئات المهنية، سواء أكانت على شكل وثيقة أو ملف كمبيوتر أو قاعدة بيانات كمبيوترية، أو شريط صوتي أو مرئي أو تسجيل إلكتروني وغير ذلك، وكذا مصدرها سواء أَتَمَ نتاجها من طرف المؤسسات أو الهيئات المهنية نفسها أو من قبل أي جهة أخرى. وبالتالي، فالمشرع عمل على تحديد الهيئات الملزمة بتقديم المعلومات بشكل دقيق، لتمكين المواطنين من مراقبة العمل العمومي ليمكنهم من التعرف على الأعمال والقرارات المتخذة باسمهم من طرف المسؤولين العموميين، ويسمح لهم بالمشاركة الفعلية والانخراط أكثر في تقييم تدبير الشؤون العامة. مما يفرض على الحكومات والمسؤولين العموميين الشفافية في قراراتهم، كما أن هذا الأمر من شأنه تطعيم وتقوية البحث العلمي، وإشاعة ودعم قواعد الانفتاح والشفافية والثقة في علاقة الإدارة بالمرتفقين وتنمية الوعي القانوني والإداري وجذب الاستثمار وتنشيط الاقتصاد.
لم يكتف دستور 2011 بوضع نص يكفل حرية الفكر والرأي والتعبير بكل أشكالها فقط، بل خصص نصا لحق الحصول على المعلومات كحق مستقل بذاته، حيث ينص على أن" للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. لا يمكن تقييد الحق في المعلومة، إلا بمقتضى القانون، بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور، وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة". كما كفل للصحفيين الحق في الحصول على الأنباء والمعلومات، حيث ينص الفصل 28 على أن: "حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية. للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة".
إشكالية الاستثناءات المقيدة للحق في الحصول على المعلومات بالمغرب
فعلى الرغم من أن المشرع المغربي أقر الحق في النفاذ إلى المعلومات عبر الفصل 27، غير أنه استثنى، من هذا المبدأ، الإفصاح عن المعلومات المتعلقة بالدفاع الوطني وبأمن الدولة الداخلي والخارجي؛ التي لا يُمكن للمواطن الاطلاع أو الحصول عليها. وما يُعاب على ذلك، أن المشرع لم يحدد سرية الدفاع الوطني وأمن الدولة الداخلي والخارجي، ولم يحدد كذلك المقصود بهذه السرية، وإنما ترك الباب مفتوحا أمام السلطة التقديرية للإدارة لتحديد نطاقها لحماية المصالح العامة للدولة لأن إفشاءها يمس مصالحها الحيوية ويهدد كيانها وسيادتها. ولقد حدد القانون الجنائي في فصوله: 181-182-185-187-192 طبيعة أسرار الدفاع الوطني والعقوبات المقررة عند الإخلال بسريتها، وكذلك الفصل 466 من نفس القانون المذكور، الذي يحدد أمناء الأسرار والعقوبات المطبقة عليهم في حالة إفشاءها".
وعليه، ينبغي على الشرع أن يحدد بشكل دقيق وواضح المقصود بسرية أمن الدولة، تماشيا مع المادة الثاني عشر من مبادئ جوهانسبورغ الذي ينص على أنه "لا يحق لدولة ما إطلاقا منع الوصول إلى المعلومات ذات الصلة بالأمن الوطني، بل يجب عليها أن تحدد في القانون، الأصناف الخاصة والمحدودة من المعلومات التي من الضروري حجبها من أجل حماية مصلحة مشروعة للأمن الوطني".
كما استثنى المشرع المغربي الحصول جميع المعلومات المتعلقة بالحياة الخاصة للأفراد، أو تلك التي تكتسي طابع معطيات شخصية، والمعلومات التي من شأن الكشف عنها، المسُ بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور، وحماية مصادر المعلومات. أي أنّ هذا القانون يستثني كل المعلومات التي من المتوقع في حال الإفصاح عنها، تعريض حياة فرد ما أو سلامته للخطر أو البيانات الشخصية التي من شأن الكشف عنها أن يُشكّل انتهاكا لخصوصيات الفرد.
والجدير بالإشارة، أن المشرع المغربي في سنة 2009، اعتمد قانونا لحماية المعلومات والمعطيات ذات الطابع الشخصي، وعرّفها في مادته الأولى بأنها "كل معلومة كيفما كان نوعها بغض النظر عن دعامتها، بما في ذلك الصوت والصورة، والمتعلقة بشخص ذاتي معرف أو قابل للتعرف عليه والمسمى بعده بالشخص المعنوي". لذا، يمكن القول إن هذه الاستثناءات جاءت عامة، خاصة وأنها لم تحدد بشكل دقيق مفهوم الحياة الخاصة للأفراد، ولا المعطيات التي قد تكتسي طابعا شخصيا مما يجعل التوسع فيها وفي تأويلها، يُفْرِغُ هذا الحق من مضمونه، المتمثل بالأساس في تفعيل مبادئ الحكامة الجيدة، وتحقيق انفتاح الإدارة على مواطنيها وتكريس مبدأ الشفافية.
كما يستثني هذا القانون كل المعلومات التي من شأن الكشف عنها، إلحاقُ ضرر بالعلاقات مع دولة أخرى، أو منظمة دولية حكومية، والسياسة النقدية أو الاقتصادية أو المالية للدولة، وحقوق الملكية الصناعية، أو حقوق المؤلف أو الحقوق المجاورة، وحقوق ومصالح الضحايا والشهود والخبراء والبالغين، فيما يخص جرائم الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ وغيرها.
وبالتالي، أصبح مفهوم إلحاق الضرر عبارة عامة ترتبط بحدث تنبئي قد يقع وقد لا يقع، وهنا يطرح إشكالا يرتبط بكيفية تقدير مدى إحداث الضرر من عدمه في حالة تم الكشف عن تلك المعلومات. ومما لا شك فيه، أن كل امتناع عن تقديم الإدارة لمعلومة مطلوبة، يمكن تكييفه مع مقتضيات الفقرة "ب" من المادة 19. وبالتالي، فالأمر سيكون خاضعا للسلطة التقديرية للشخص المكلف والجهة المعنية التي تتوفر على تلك المعلومات.
وفي نفس السياق، استثنى المشرع المغربي كذلك من الحق في الحصول على المعلومات، تلك المشمولة بطابع السرية؛ أي تلك التي من شأن الإفصاح عنها الإخلالُ بسرية مداولات المجلس الوزاري ومجلس الحكومة، أو بسرية الأبحاث والتحريات الإدارية، أو بسير المساطر القضائية والمساطر التمهيدية المتعلقة بها، ما لم تأذن بذلك السلطات القضائية المختصة، مبادئ المنافسة الحرة والمشروعة والنزيهة، وكذا المبادرة الخاصة. وما يُمكن مؤاخذته على ما تقدّم، أنّه لم يتم تحديد مدة زمنية للاستثناءات المشمولة بطابع السرية، إذ ينبغي تحديد مدة كتمان المعلومات التي تم الامتناع عن تقديمها، لضمان الحصول عليها فيما بعد، وتصبح في متناول الجميع مع مرور الوقت.
نخلُص من خلال ما سلف ذكره، إلى نتيجة مفادها أن المغرب، على الرغم من تحقيقه قفزة نوعية من خلال إقراره قانون الحق في الحصول على المعلومات، إلا أنه يعتريه العديد من القصور، كاتساع دائرة الاستثناءات، وعمومية بعض الألفاظ الواردة فيه، والتوسع في تأويلها. كما أن المشرع لم يُخْضع هذه الاستثناءات لاختبار يقضي بأن هذه المعلومات يجب أن تقدم إلا إذا أثبتت المؤسسات والهيئات العامة أنها تندرج ضمن خانة الاستثناءات المنصوص عليها في القانون المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، وأن الكشف عنها قد يؤدي إلى الإضرار بالمصلحة العامة، وأن يكون هذا الضرر من المصلحة العامة في حالة الحصول عليها.
فمهما كانت جودة النص القانوني المنظم للحق في الحصول على المعلومات، فإن رهان تنزيله على أرض الواقع يبقى أكبر تحد يواجه كل الأطراف المتداخلة في هذا الإطار. فوصول المواطن للمعلومات وحصوله عليها ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق التواصل، تعميق الشفافية، ترسيخ الحكامة الجيدة، تكريس احترام حقوق الإنسان والحريات الفردية والعامة، محاصرة الفساد عن طريق تحديد المسؤولية وربطها بالمحاسبة، لاستعادة الثقة المفقودة للمواطن تجاه الإدارة.
لذا، إنّ التنصيص على هذا الحق ضمن التشريع المغربي غير كاف، وإنما يحتاج إلى توعية المواطن بأن الحصول على هذه المعلومات هو حق من حقوقه، عن طريق مختلف وسائل الإعلام. فتوعيته لا يمكن أن تتحقق، من جهة، دون تدخل الدولة وقيامها بحملات تحسيسية، ومن جهة أخرى، يجب مساعدته في الولوج إلى المعلومات لتعزيز مشاركته في تدبير الشأن العام وإدماجه في المجتمع.