Toutes les idées

آليات معالجة الشكايات البنكية ودورها في تعزيز حماية الزبون البنكي بالمغرب

Article 1 NED IG POSTBLOG
Blog
by
أسامة علوي
باحث بسلك الدكتوراه في القانون الخاص كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول وجدة
onJune 12, 2026

تعد العلاقة بين المؤسسات البنكية وزبنائها من أهم العلاقات القانونية والاقتصادية التي تميز الحياة المعاصرة، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به الأبناك في تعبئة الادخار وتمويل الاستثمار وتقديم مختلف الخدمات المالية. غير أن هذه العلاقة قد تشهد في بعض الأحيان نشوء خلافات ونزاعات ناجمة عن تنفيذ العقود البنكية أو تفسيرها أو بسبب أخطاء مرتبطة بتدبير الحسابات والخدمات المالية المقدمة للزبناء، ومن هذا المنطلق، برزت الحاجة إلى إرساء منظومة قانونية ومؤسساتية فعالة لحماية الزبون البنكي وضمان معالجة شكاياته وفق مبادئ الشفافية والإنصاف والنجاعة.

وتكتسي معالجة الشكايات البنكية أهمية بالغة لكونها تشكل إحدى الآليات الأساسية لتعزيز الثقة في القطاع البنكي، وتحقيق التوازن بين المصالح الاقتصادية للمؤسسات البنكية وحقوق الزبناء، كما أنها تندرج ضمن المقاربة الحديثة لحماية المستهلك المالي، التي أصبحت من أولويات السياسات العمومية في المجال المالي والمصرفي.

التعريف بالشكايات البنكية:

يقصد بالشكاية البنكية كل تظلم أو اعتراض يتقدم به الزبون ضد مؤسسة ائتمان نتيجة نزاع يتعلق بخدمة بنكية أو بعملية مالية أو بتطبيق مقتضيات عقدية يرى أنها ألحقت به ضررا ماديا أو معنويا، وتشكل الشكاية وسيلة قانونية وإدارية تمكن الزبون من المطالبة بحقوقه وتسوية النزاع بطريقة ودية قبل اللجوء إلى القضاء.

وقد عمل بنك المغرب، باعتباره السلطة المكلفة بالإشراف على القطاع البنكي، على وضع مجموعة من الآليات التنظيمية الرامية إلى حماية مستعملي الخدمات البنكية وتوفير مساطر واضحة لمعالجة الشكايات، بما يضمن احترام حقوق الزبناء وتحسين جودة الخدمات المقدمة لهم. 

مراحل معالجة الشكايات لدى المؤسسة البنكية:

تعتبر المؤسسة البنكية المعنية بالنزاع الجهة الأولى المختصة بمعالجة شكاية الزبون، وتستند هذه المرحلة إلى مبدأ إعطاء المؤسسة فرصة لتدارك الخطأ أو توضيح الملابسات المرتبطة بالنزاع.

ومن هذا المنطلق، يستحسن في البداية أن يتواصل الزبون مع وكالته البنكية أو مع المصالح المختصة بالمؤسسة لمحاولة إيجاد حل ودي للمشكل القائم، وفي حالة عدم التوصل إلى نتيجة مرضية، يمكن للزبون تقديم شكاية مكتوبة عبر إحدى الوسائل المعتمدة، سواء بإيداعها لدى الوكالة البنكية مقابل وصل بالإيداع، أو إرسالها إلى المصلحة المركزية المكلفة بمعالجة الشكايات، أو من خلال القنوات الرقمية التي توفرها المؤسسة البنكية.

وعليه، تلتزم المؤسسة البنكية بدراسة الشكاية داخل آجال محددة، حيث يتعين عليها إشعار الزبون بعدم قبول الشكاية داخل أجل عشرة (10) أيام عمل عند الاقتضاء، كما يجب عليها معالجة الشكاية والرد عليها داخل أجل أقصاه أربعون (40) يوم عمل، ويعكس تحديد هذه الآجال إرادة المشرع والسلطات الرقابية في ضمان سرعة معالجة النزاعات والحد من حالات التسويف والتأخير.

دور الوساطة البنكية في تسوية النزاعات:

إذا لم يتوصل الزبون إلى حل مرض مع مؤسسته البنكية، أو لم يتلق جوابا داخل الآجال المحددة، يمكنه اللجوء إلى المركز المغربي للوساطة البنكية باعتباره آلية بديلة لتسوية المنازعات.

وتجدر الإشارة، إلى أن هذا المركز أحدث سنة 2014 بمبادرة من بنك المغرب بهدف تمكين الأطراف من تسوية النزاعات البنكية بطريقة ودية ومجانية، بعيدا عن التعقيدات والإجراءات القضائية الطويلة، وتندرج هذه المؤسسة ضمن منظومة العدالة البديلة التي أصبحت تحظى بأهمية متزايدة في مختلف الأنظمة القانونية المعاصرة.

وتتميز الوساطة البنكية بعدة خصائص، من أهمها المجانية والسرعة والمرونة والمحافظة على العلاقة التعاقدية بين الطرفين، كما أنها تساهم في تخفيف العبء عن المحاكم وتوفير حلول توافقية ترضي مختلف الأطراف.

وتأسيسا على ما تقدم، يتولى المركز دراسة ملفات الشكايات وإبداء رأيه بشأنها داخل أجل ثلاثين (30) يوما من تاريخ قبول الملف، مع إمكانية تمديد هذا الأجل في القضايا المعقدة، غير أنه لا يمكن للوسيط التدخل إذا كان النزاع معروضا على القضاء، احتراما لمبدأ استقلال السلطة القضائية.

بنك المغرب كآلية أخيرة لمعالجة الشكايات:

يعد اللجوء إلى بنك المغرب المرحلة الأخيرة ضمن مسطرة معالجة الشكايات البنكية، ولا يتم ذلك إلا بعد استنفاد جميع الوسائل السابقة المتاحة للزبون لدى المؤسسة البنكية والمركز المغربي للوساطة البنكية.

وفي هذا الإطار، يضطلع بنك المغرب بدور رقابي وتنظيمي يهدف إلى التأكد من احترام المؤسسات البنكية للمقتضيات القانونية والتنظيمية المؤطرة لنشاطها، وعند توصله بالشكاية، يقوم بدراسة الملف وتحليل الوقائع والوثائق المدلى بها للتأكد من مدى احترام المؤسسة المعنية للقواعد المعمول بها.

وعليه، يتعين على الزبون إرفاق شكايته بجميع الوثائق والمستندات الضرورية، من قبيل العقود البنكية وكشوف الحساب والمراسلات المتبادلة وغيرها من الوثائق المثبتة لوقائع النزاع. كما يشترط ألا يكون الملف معروضا على القضاء، تفاديا لتداخل الاختصاصات بين الجهات الإدارية والقضائية.

يتضح من خلال ما تقدم أن معالجة الشكايات البنكية تمثل آلية أساسية لضمان التوازن في العلاقة بين الزبون والمؤسسة البنكية، وتأسيسا على ذلك، حرص بنك المغرب على إرساء منظومة متكاملة تقوم على التدرج في معالجة النزاعات، بدءا من المؤسسة البنكية نفسها، مرورا بالوساطة البنكية، وانتهاء بتدخل بنك المغرب باعتباره جهة رقابية عليا.

وتعكس هذه المنظومة توجها حديثا نحو تكريس حماية الزبون البنكي وتعزيز الثقة في القطاع المالي، بما ينسجم مع متطلبات الحكامة المالية الجيدة ومبادئ حماية المستهلك المالي، غير أن فعالية هذه الآليات تظل رهينة بمدى وعي الزبناء بحقوقهم، والتزام المؤسسات البنكية بمبادئ الشفافية والسرعة والإنصاف في معالجة مختلف الشكايات المعروضة عليها.

--

تم إنجاز هذا المقال في إطار حملة التوعية القانونية التي يقودها طلبة الدفعة الثانية المشاركين في برنامج العيادة القانونية بوجدة، في إطار برنامج "تعزيز المشاركة بين المجتمع المدني والجامعة - جهة الشرق"، الذي تنفذه مؤسسة الأطلس الكبير والممول من الصندوق الوطني للديمقراطية (NED). ويهدف البرنامج إلى تعزيز التعاون بين الجامعات ومنظمات المجتمع المدني، وتزويد الطلبة بالمهارات العملية لمعالجة القضايا الاجتماعية والقانونية وتعزيز الوعي المجتمعي بجهة الشرق. المحتوى يعكس وجهة نظر الكاتب ولا يُمثّل بالضرورة موقف الجهات الداعمة أو المنفذة.