Toutes les idées

زواج القاصر في مدونة الأسرة المغربية: بين حماية النص وإكراهات الممارسة قراءة قانونية في ضوابط الإذن بزواج القاصر ودور الرقابة القضائية

Unnamed 94
Blog
par
أسماء اسماعيلي علوي
ماستر قانون العقود والأنظمة العقارية
le21 octobre 2026

تم إنجاز هذا المقال في إطار حملة التوعية القانونية التي يقودها طلبة الدفعة الثانية المشاركين في برنامج العيادة القانونية بوجدة، في إطار برنامج "تعزيز المشاركة بين المجتمع المدني والجامعة - جهة الشرق"، الذي تنفذه مؤسسة الأطلس الكبير والممول من الصندوق الوطني للديمقراطية (NED).

يحتل الزواج مكانة محورية في البناء الاجتماعي، بوصفه الرابطة التي تقوم عليها الأسرة وتُصان بها الحقوق والواجبات المتبادلة بين طرفيه. غير أن هذه الرابطة، حين تُعقد في سن مبكرة، تطرح إشكالات قانونية وإنسانية عميقة تتصل بأهلية أحد طرفيها أو كليهما لتحمل تبعاتها. ومن هذا المنطلق، أفرد المشرع المغربي، من خلال مدونة الأسرة لسنة 2004، نظاما استثنائيا لزواج القاصر، حاول من خلاله الموازنة بين اعتبارات اجتماعية ودينية متجذرة من جهة، ومقتضيات حماية القاصر من جهة أخرى. فإلى أي حد نجحت هذه المنظومة في تحقيق هذا التوازن؟ وما هي الثغرات التي لا تزال تحول دون تحقيق الحماية الفعلية المنشودة؟

من الشريعة إلى القانون الوضعي: تطور تحديد سن الزواج

لم تحدد الشريعة الإسلامية سنا معينة لأهلية الزواج، وتُركت المسألة لاجتهاد الفقهاء الذين اعتمدوا معيار البلوغ بعلاماته الفيزيولوجية بدلا من السن الزمني. وقد انقسم الفقهاء بين اتجاهين: اتجاه الجمهور الذي أجاز زواج الصغار استنادا إلى فهم معين لبعض الوقائع التاريخية، واتجاه الشافعية الذين اعتبروا أن زواج من لم يبلغ لا يصح، مستدلين بأن الخطاب الشرعي بالتكليف والالتزامات إنما يتوجه إلى البالغين دون غيرهم.

وحين انتقل المشرع المغربي من مدونة الأحوال الشخصية لسنة 1957 إلى مدونة الأسرة لسنة 2004، كرّس نقلة نوعية بإقراره مبدأ المساواة بين الذكر والأنثى في سن الزواج، محددا إياه في المادة 19 بثمانية عشر سنة شمسية كاملة للطرفين معا، بعدما كانت المدونة الملغاة تجيز زواج الفتاة بمجرد بلوغها الخامسة عشرة. غير أن المشرع لم يقطع الطريق كليا أمام زواج من دون هذا السن، بل أبقى الباب موارَبا عبر آلية الإذن القضائي المنصوص عليها في المادة نفسها.

والملاحظ أن هذا الخيار التشريعي ليس حالة مغربية منفردة؛ إذ تتفاوت التشريعات المقارنة في التعامل مع المسألة: فالجزائر تحدد السن في تسع عشرة سنة مع إمكانية الترخيص القضائي قبلها، وتونس تشدد الشروط بمنع زواج الفتى قبل العشرين والفتاة قبل السابعة عشرة إلا بإذن خاص، بينما يحدد القانون الفرنسي السن في ثمانية عشر عاما مع استثناء مشروط بموافقة الأبوين. يعكس هذا التباين حجم التجاذب القائم، على المستوى الدولي، بين الحفاظ على الخصوصيات المجتمعية والانخراط في المعايير الحقوقية الدولية المتعلقة بالطفولة.

صلاحيات النائب الشرعي: بين الشرط الشكلي والضمانة الفعلية

جعلت المادة 21 من مدونة الأسرة من موافقة النائب الشرعي شرطا أساسيا لمنح الإذن بزواج القاصر، إذ يوقّع هذا الأخير رفقة القاصر على طلب الإذن، ويُلزَم بحضور مجلس العقد. وقد وسّع المشرع، بإحلاله مصطلح «النائب الشرعي» محل مصطلح «الولي» المعتمد في المدونة الملغاة، دائرة الأشخاص المؤهلين لمنح هذه الموافقة لتشمل، وفق المادة 230، كلا من الولي والوصي والمقدَّم.

غير أن المعطيات العملية تكشف عن طابع شبه شكلي لهذا الشرط في أغلب الحالات؛ فقد بلغت نسبة الطلبات المرفقة بموافقة النائب الشرعي 96.73% من مجموع الطلبات المقدمة برسم سنة 2007 وحدها، وهو رقم يعكس أن موافقة النائب الشرعي، بدل أن تشكل مرشحا فعليا لتقدير مصلحة القاصر، أصبحت في الغالب إجراء تلقائيا مواكبا لرغبة الأسرة في إتمام الزواج.

وفي المقابل، عالج المشرع فرضية امتناع النائب الشرعي عن الموافقة، بأن خوّل للقاضي المكلف بالزواج صلاحية البت في الطلب والتحقق من أسباب هذا الامتناع، حرصا على ألا يبقى مصير القاصر معلقا بمحض إرادة نائبه. وقد أظهرت بعض الاجتهادات القضائية، من قبيل قرار صادر عن قسم قضاء الأسرة بالناظور، أن القضاء لا يتردد في تجاوز معارضة النائب الشرعي متى ثبت له أن هذه المعارضة لا تستند إلى مصلحة حقيقية للقاصر. وفي المقابل، حرصت محاكم أخرى، كقسمي قضاء الأسرة بالقصر الكبير وأزيلال، على رفض طلب الإذن كلما تبين لها من خلال الاستماع إلى القاصرة نفسها أنها ترفض الزواج أو أُكرهت عليه، وهو ما يؤكد أن السلطة التقديرية للقاضي تبقى الضمانة الحقيقية الأخيرة في هذا المسار.

الرقابة القضائية: ضمانة منقوصة الفعالية

أناط المشرع بقاضي الأسرة المكلف بالزواج مهمة السهر على حسن تطبيق مقتضيات الإذن بزواج القاصر، عبر آليتين أساسيتين: الاستماع إلى أبوي القاصر أو نائبه الشرعي وفق المادة 20، وإجراء بحث اجتماعي يمكّن من الوقوف على الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأسرة. غير أن اللافت أن المشرع لم يُلزم القاضي صراحة بالاستماع إلى القاصر نفسه، رغم كونه المعني الأول بالأمر، وهو ما يفتح الباب أمام تفاوت الممارسات القضائية بين من يحرص على سماع القاصر شخصيا ومن يكتفي بموافقة النائب الشرعي.

ويضاف إلى ذلك غموض يلف مفهوم «المصلحة» الوارد في المادة 20؛ فهل يُقصد بها مصلحة القاصر أم مصلحة نائبه الشرعي؟ ويترجّح، بقراءة هذه المادة على ضوء المادة 6 من المدونة، أن الاستثناء إنما شُرّع أصلا لفائدة القاصر لا لفائدة من ينوب عنه. كما لم يحدد المشرع طبيعة البحث الاجتماعي ولا الجهة المخوَّلة لإنجازه، وهو ما يجعله يُعهد به عمليا، في الغالب، إلى ضباط الشرطة القضائية أو السلطة المحلية، دون أن يكون بالضرورة كافيا لتكوين قناعة قضائية متبصرة.

ومن أبرز المآخذ المسجلة على هذه المنظومة كذلك، أن المقرر الصادر عن قاضي الأسرة بمنح الإذن لا يقبل الطعن، على اعتبار أن الطرف الذي قد تكون له مصلحة في الطعن هو نفسه من تقدم بطلب الإذن، وهو منطق يُضعف من حق القاصر في التقاضي على درجتين، ويُبقي القرار القضائي بمنأى عن أي مراجعة لاحقة، حتى لو تبين بعد صدوره أن مصلحة القاصر لم تُراعَ بالشكل المطلوب.

وقد خلص فقهاء القانون إلى تباين في تقدير الجزاء المترتب عن الإخلال بشرط السن؛ فبينما يرى الدكتور أحمد الخمليشي أن شرط السن من شروط الصحة، وأن الإخلال به يفسد العقد ويستوجب الفسخ قبل الدخول وبعده، ذهب الأستاذ علال الفاسي إلى اعتباره شرط نفاذ لا شرط صحة، بحيث يوقف العقد عن التنفيذ دون أن يبطله. ويكشف هذا الخلاف الفقهي، في جوهره، عن حرج تشريعي حقيقي إزاء وضعيات يصعب فيها التوفيق بين المنطق القانوني الصارم والواقع الاجتماعي المعقد الذي يحيط بزيجات القاصرين، خصوصا حين يمتد الزواج سنوات ويُثمر أطفالا.

الكلفة الاجتماعية والنفسية لزواج القاصر

لا يقف أثر زواج القاصر عند حدود الإشكال القانوني الصرف، بل يمتد إلى تبعات اجتماعية ونفسية عميقة تطال القاصر والأسرة والمجتمع على حد سواء. فالقاصر، وخاصة الفتاة، التي تُقحَم في علاقة زوجية قبل اكتمال نضجها الجسدي والنفسي، غالبا ما تجد نفسها عاجزة عن استيعاب أعباء الحياة الزوجية من تدبير للبيت وتربية للأبناء ومسؤولية اقتصادية، وهو ما يفسر، في جانب منه، ارتفاع معدلات الطلاق في صفوف من تزوجن قاصرات مقارنة بمن تزوجن في سن أكبر.

كما تُظهر عدة دراسات ميدانية أن زواج القاصر يرتبط إحصائيا بارتفاع منسوب العنف الأسري، سواء كان ذلك ناتجا عن فارق النضج بين الزوجين أو عن عجز القاصرة عن الدفاع عن حقوقها داخل العلاقة الزوجية أو التفاوض بشأنها. ويترتب عن ذلك، في كثير من الأحيان، إنجاب أطفال في ظروف أسرية هشة، ما يزيد من احتمالات التفكك الأسري وظاهرة الأطفال المشردين أو المهملين. وتضاف إلى ذلك الكلفة التعليمية الباهظة؛ إذ يفضي الزواج المبكر، في الغالب الأعم، إلى انقطاع القاصرة عن الدراسة بشكل نهائي، وهو ما يحرمها من فرص التكوين والاندماج الاقتصادي المستقبلي، ويُكرّس تبعيتها الاقتصادية داخل الأسرة الزوجية.

وتزداد هذه الإشكالات تعقيدا حين يقترن الزواج المبكر بوضعية اجتماعية واقتصادية هشة للأسرة الأصلية للقاصر؛ إذ تُظهر عدة تحليلات أن اللجوء إلى تزويج البنات القاصرات كثيرا ما يكون مرتبطا بضائقة اقتصادية أو برغبة في التخفف من الأعباء المادية، أكثر مما هو خيار حر ومستنير من جانب الأسرة أو القاصر نفسها. وهو ما يعيد طرح السؤال حول مدى قدرة آلية الإذن القضائي، بصيغتها الحالية، على استكشاف هذه الدوافع الحقيقية الكامنة وراء طلبات الزواج، بدل الاكتفاء بالتحقق الشكلي من توافر الشروط القانونية.

قراءة موسعة في التجارب التشريعية المقارنة

يكشف استعراض التجارب التشريعية المقارنة عن تباين واضح في مقاربة إشكالية زواج القاصر، يعكس بدوره اختلاف الموازنات التي تجريها كل دولة بين الخصوصية الثقافية والدينية من جهة، والالتزامات الحقوقية الدولية من جهة أخرى. فالمشرع الجزائري، وإن حدد سن الزواج في تسع عشرة سنة، وهي أعلى من السن المعتمدة في المغرب، أبقى بدوره على إمكانية ترخيص القاضي بالزواج قبل هذه السن لمصلحة أو ضرورة تقتضي ذلك، وهو ما يقترب من المنطق التشريعي المغربي في جوهره وإن اختلف عنه في السن المرجعية.

أما المشرع التونسي، فقد اعتمد مقاربة أكثر تشددا نسبيا بمنع زواج الفتى قبل بلوغه العشرين سنة والفتاة قبل السابعة عشرة، مع اشتراط الحصول على إذن خاص من المحكمة مبني على أسباب جدية وتحقيقا لمصلحة واضحة للزوجين، وهي صياغة تقترب، من حيث الصرامة، من المقاربة المغربية، لكنها تتميز عنها باشتراط أن تكون المصلحة مشتركة بين الطرفين معا لا مقتصرة على القاصر وحده.

وفي المقابل، يقدّم المشرع الفرنسي نموذجا مغايرا من حيث الجزاء المترتب عن الإخلال بشرط السن؛ إذ يذهب إلى تقرير البطلان المطلق للزواج المبرم دون السن القانونية المحددة في ثماني عشرة سنة، مع استثناء محدود يسمح بتصحيح الزواج في حالتين اثنتين فقط: مرور ستة أشهر على بلوغ الزوج القاصر سن الزواج القانونية، أو ظهور حمل لدى الزوجة القاصر. ويكشف هذا الاختلاف في الجزاء عن تباين فلسفي عميق بين النظامين: فبينما يميل الفقه المغربي، تأثرا بالمذهب المالكي، إلى اعتبار شرط السن شرط نفاذ لا شرط صحة في غالب الأحوال، يتجه التشريع الفرنسي إلى حماية أكثر صرامة تجعل من احترام السن القانوني ركنا جوهريا لا يقبل التنازل عنه إلا في أضيق الحدود.

ويُستشف من هذه المقارنة أن المغرب، وإن تقاسم مع جيرانه المغاربيين المنطق العام القائم على الجمع بين قاعدة السن الأدنى واستثناء الإذن القضائي، لا يزال بحاجة إلى ضبط أدق لمعايير منح هذا الإذن، أسوة بما ذهبت إليه بعض التشريعات المقارنة من ربط الاستثناء بأسباب جدية موصوفة ومصلحة واضحة قابلة للتحقق، بدل الاكتفاء بعبارات فضفاضة تفتح الباب أمام تفاوت واسع في الممارسة القضائية من محكمة إلى أخرى.

تكشف هذه القراءة أن زواج القاصر ظاهرة متعددة الأبعاد، يتقاطع فيها البعد القانوني بالبعد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بما يجعل من الصعب اختزال معالجتها في التعديل التشريعي وحده. فالتجربة العملية تُظهر أن شرط موافقة النائب الشرعي تحوّل، في الغالب الأعم، إلى إجراء شكلي، وأن الرقابة القضائية، رغم أهميتها، تبقى مقيدة بغموض بعض المفاهيم القانونية وغياب آليات دقيقة للتحقق من الرضا الحر للقاصر ومن واقع البحث الاجتماعي المنجز.

ومن ثم، فإن الدعوة إلى الإلغاء الكلي لهذا الاستثناء التشريعي قد لا تكون، في ذاتها، حلا ناجعا، ما دام يُخشى أن يفضي ذلك إلى انتشار موازٍ للزواج العرفي غير الموثق، الذي يُعرّض القاصرات لمخاطر أكبر دون أي حماية قانونية. لذلك، يبدو أن الإصلاح الأجدى يكمن في اتجاهين متكاملين: من جهة، تدقيق الصياغة التشريعية بتحديد سن أدنى مطلق لا يمكن النزول عنه مهما كانت الظروف، وتوضيح معايير «المصلحة» وإلزامية الاستماع المباشر إلى القاصر ذاته؛ ومن جهة أخرى، معالجة الأسباب الجذرية الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الأسر إلى تزويج بناتها القاصرات، عبر تعزيز التمدرس والتكوين المهني وفرص الشغل، باعتبار أن القانون وحده، مهما بلغت صرامته، لا يمكنه أن يحل محل التنمية الاجتماعية في اجتثاث هذه الظاهرة من جذورها.

وفي هذا السياق، يمكن استخلاص جملة من التوصيات العملية التي من شأنها تعزيز فعالية هذه المنظومة: إلزام القاضي المكلف بالزواج بالاستماع الشخصي إلى القاصر بمعزل عن نائبه الشرعي في جميع الحالات دون استثناء؛ توحيد معايير البحث الاجتماعي وإسناد إنجازه إلى جهات متخصصة ومؤهلة بدل الاكتفاء بالسلطة المحلية؛ فتح إمكانية الطعن في مقرر الإذن حماية لمصلحة القاصر متى تبين لاحقا أنها لم تُراعَ؛ وأخيرا، ربط منح الإذن بحالات محددة حصرا وأسباب جدية موصوفة، تفاديا لاتساع هامش السلطة التقديرية بشكل قد يُفرغ الاستثناء من طابعه الاستثنائي أصلا. وتبقى هذه التوصيات، في نهاية المطاف، مدخلا لتفعيل الغاية الأسمى التي من أجلها شُرّع هذا الاستثناء: حماية مصلحة القاصر الفضلى قبل أي اعتبار آخر.

-- 

تم إنجاز هذا المقال في إطار حملة التوعية القانونية التي يقودها طلبة الدفعة الثانية المشاركين في برنامج العيادة القانونية بوجدة، في إطار برنامج "تعزيز المشاركة بين المجتمع المدني والجامعة - جهة الشرق"، الذي تنفذه مؤسسة الأطلس الكبير والممول من الصندوق الوطني للديمقراطية (NED). ويهدف البرنامج إلى تعزيز التعاون بين الجامعات ومنظمات المجتمع المدني، وتزويد الطلبة بالمهارات العملية لمعالجة القضايا الاجتماعية والقانونية وتعزيز الوعي المجتمعي بجهة الشرق. المحتوى يعكس وجهة نظر الكاتب ولا يُمثّل بالضرورة موقف الجهات الداعمة أو المنفذة.