جسور المعرفة وضوابط التأطير القانوني بوجدة

تتجاوز العلاقة بين الجامعة والمجتمع المدني حدود الشراكة التقليدية لتصل إلى مرتبة التكامل الوجودي؛ فالجامعة هي حاضنة الفكر والنظرية العلمية، بينما يمثل المجتمع المدني نبض الميدان ومرآة الواقع اليومي. هذا ما جسدته الورشة التكوينية التي احتضنها فندق فجر بمدينة وجدة يوم 4 يوليوز 2026، في إطار مشروع «تعزيز المشاركة بين المجتمع المدني والجامعة – جهة الشرق»، الذي جاء ثمرة تعاون بين جامعة محمد الأول بوجدة والعيادة القانونية، بدعم من مؤسسة الأطلس الكبير والصندوق الوطني للديمقراطية، في إطار رؤية تروم بناء جسور مستدامة بين البحث الأكاديمي والعمل المدني.
الافتتاح وبناء جسور التواصل الأكاديمي
استُهلت أشغال الورشة بجلسة افتتاحية اتسمت بروح التواصل والثقة، حيث استعرض الأستاذ المؤطر مساره الأكاديمي داخل الجامعة منذ سنة 1998، وما راكمه من إسهامات علمية ومؤلفات شكلت نموذجاً للمزاوجة بين البحث العلمي والالتزام المجتمعي. كما أُتيحت الفرصة للطلبة الباحثين وممثلي الجمعيات المحلية لتقديم أنفسهم والتعريف بخلفياتهم وتجاربهم، وهو ما أضفى على اللقاء طابعاً تفاعلياً منذ لحظاته الأولى.
من "نُبل النوايا" إلى "احترافية التدبير" وضوابط القانون
انتقل النقاش بعد ذلك إلى واقع العمل الجمعوي المعاصر، حيث تم التأكيد على أن "نبل النوايا' والعمل الخيري، رغم أهميتهما، لم يعودا كافيين لضمان سلامة التدبير الجمعوي. وفي هذا السياق، تم تسليط الضوء على قانون 18.18 المتعلق بجمع التبرعات كنموذج للتقنين الصارم الذي يمنع العشوائية، لتفادي اصطدام الجمعيات بالالتزامات الضريبية والوقوع في مشاكل نتيجة غياب المستجدات التشريعية. كما طُرح سؤال محوري حول إمكانية ممارسة الجمعيات لأنشطة تجارية، ليتم تأكيد أحقية الجمعية في ذلك لضمان تمويلها الذاتي، شريطة ألا تطغى الصبغة التجارية والربحية على طبيعة أنشطتها التنموية الأصلية.
الديمقراطية التشاركية والمسار الدستوري والحقوقي
لم يكن اختيار مواضيع الورشة عفوياً، بل ارتبط بالمسار الحقوقي الممتد للمملكة المغربية وتطور موقع المجتمع المدني دستورياً. فقد استحضرت الورشة التحول الديمقراطي الذي بدأ مع نهاية تسعينيات القرن الماضي، والخطاب الملكي المؤسس لمفهوم جديد للسلطة يضع الإدارة والمسؤولين في خدمة المجتمع. كما تم التطرق إلى قانون تأسيس الجمعيات (ظهير 1958) والتأكيد على خضوعه للتصريح الفوري لا الترخيص التقديري، وضمانات عدم حل الجمعية إلا بحكم قضائي.
وفي الإطار نفسه، خُصص جانب مهم من الورشة لشرح آليات الديمقراطية التشاركية المنصوص عليها في دستور 2011،خاصة ما يتعلق بملتمسات التشريع والعرائض، وفق الفصلين 14 و15، مع قراءة في القوانين التنظيمية المعدلة (القانون التنظيمي 71.21 المتعلق بالملتمسات، والقانون التنظيمي 70.21 المتعلق بالعرائض الصادرين في سبتمبر 2021).
مهارات التأطير والتيسير وملاءمة المرجعيات الدولية
ركز الشق المتعلق بمهارات التأطير والتيسير على تزويد المشاركين بأدوات عملية لإدارة الورشات وفق مقاربة تكوين المكونين (TOT)، من خلال تقنيات التنشيط والتواصل وبناء التفاعل داخل المجموعات. كما تم ربط هذه المهارات بالمرجعيات الدولية لحقوق الإنسان، حيث نوقشت اتفاقية حقوق الطفل، خاصة المادة 14 المتعلقة بحرية الفكر والوجدان والدين، وكيفية انعكاسها في التشريع الوطني من خلال نظام الكفالة، إلى جانب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) وما يرتبط بها من ضمانات دستورية، وعلى رأسها الحق في الحياة وحماية السلامة الجسدية المنصوص عليه في الفصل 20 من الدستور، مع الإشارة إلى أهمية التقارير الدورية التي يقدمها المغرب للمنتظم الدولي.
الشق التطبيقي ومعادلة العطاء المتبادل
تُوج هذا الزخم المعرفي بلمسة ميدانية غاية في الأهمية تجسد مبدأ الالتزام التشاركي، حيث تم التأكيد على مبدأ "من يستفيد من تكوين معين، يقع على عاتقه إفادة غيره لضمان استمرارية الأثر". كما أُبرز دور الجامعة في تطوير البحث العلمي داخل المؤسسات السجنية والانفتاح على بدائل للعقوبات السالبة للحرية في المخالفات البسيطة، مقابل مساهمة الجمعيات في تأطير الطلبة ميدانياً وإكسابهم الخبرة العملية.
وفي ختام الأشغال، تم تقسيم المشاركين إلى أربع مجموعات عمل انخرطت في بناء خطط عمل ملموسة، تلاها عرض المشاريع وتلقي الأسئلة والنقاشات النقدية والراقية التي اختتمت بها الورشة أشغالها بنجاح باهر بجهة الشرق. وقد شكلت هذه اللحظة تتويجاً لمسار يوم تكويني حافل، أكد أن بناء مجتمع مدني قوي وفاعل يمر عبر شراكة متوازنة بين الجامعة والميدان، قوامها المعرفة القانونية، والتأطير الرصين، والإيمان بأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان الواعي بحقوقه وواجباته.