Toutes les idées

جريمة غسل الأموال في ضوء التشريع المغربي

Unnamed 93
Blog
par
فاطمة الزهراء المسعودي
طالبة باحثة في سلك ماستر العقود والأنظمة العقارية
le22 octobre 2026

جريمة غسل الأموال في ضوء التشريع المغربي

 

فاطمة الزهراء المسعودي طالبة باحثة في سلك ماستر العقود والأنظمة العقارية

 تعد جريمة غسل الأموال من أشد الجرائم المالية خطورة وتناميا، إذ يتسع نطاقها يوما بعد يوم ويزداد حجمها بصورة باتت تهدد استقرار المنظومات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على الصعيدين الوطني والدولي. ولهذا غدت مكافحتها تحديا استراتيجيا جماعيا دفع الدول والمنظمات الدولية إلى التحرك بخطى متسارعة ومتلاحقة، عبر إقرار منظومة متكاملة من القوانين والمعاهدات والآليات المؤسساتية.

    وقد انخرط المغرب في هذه الجهود، وبادر إلى مراجعة ترسانته القانونية وتحديثها من خلال جملة من التعديلات التشريعية الجوهرية، في مقدمتها القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال الذي يجسد إرادة المشرع الراسخة في التصدي لهذه الآفة.

أركان قيام جريمة غسل الأموال  

إن جريمة غسل الأموال مثلها مثل باقي الجرائم يتطلب تحققها توافر الركن القانوني والركن المادي والركن المعنوي(أولا)، لكن ما يميز هذه الجريمة عن غيرها هو أنه يتعين توافر بالإضافة إلى هذه الأركان الأساسية، ركن أخر ألا وهو الركن المفترض والمتمثل في وقوع جريمة سابقة على وقوع النشاط والتي هي مصدر المال غير المشروع(ثانيا).

وتتمثل هذه الأركان فيما يلي:

 الركن القانوني: يعتبر الركن القانوني أو الشرعي من بين الأركان الأساسية لقيام جريمة غسل الأموال، والركن القانوني كما هو معلوم هو نص التجريم، الذي يجرم الفعل ويعاقب عليه وذلك وفقا لمبدأ الشرعية الجنائية الذي يقضي بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، فلا يحق متابعة الشخص ومعاقبته من أجل فعل ما، إذا لم يكن هذا الفعل مجرما، ويمكن القول في هذا الصدد أن التشريع المغربي كان يعرف فراغا تشريعيا قبل صدور القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال الصادر بتاريخ 17-04-2007.

 الركن المادي: تتفق معظم تشريعات العالم حول عدم المعاقبة على مجرد النية الإجرامية، إذ يجب أن تتجسد هذه النية مهما كانت خطورتها ودرجة عقد العزم على ارتكابها في سلوك مادي يمثل جسم الجريمة وهو ما يعبر عنه بالركن المادي للجريمة.

ويتحقق الركن المادي لجريمة غسل الأموال بالاعتداء الملموس والواقعي على المصلحة المحمية قانونا، وبه تتحقق الأفعال التنفيذية للجريمة.

الركن المعنوي: كما هو معلوم لا يكفي لقيام جريمة ما ارتكاب عمل مادي ينص ويعاقب عليه القانون الجنائي، بل لا بد أن يصدر هذا العمل المادي عن إرادة الجاني، هذه العلاقة تشكل ما يسمى بالركن المعنوي.

تعد جريمة غسل الأموال، من الجرائم التبعية التي تتطلب وجود جريمة سابقة لها هي مصدر الأموال غير المشروعة، وهذه الأخيرة هي محل عملية غسل الأموال قصد تبييضها وإدماجها في الدورة الاقتصادية كأموال محصلة من عمل مشروع، والركن المفترض في جريمة غسل الأموال هو الجريمة الأولية، فإذا تخلفت هذه الأخيرة فلا يمكننا الحديث عن جريمة غسل الأموال من الأساس.

وإذا كانت هناك من التشريعات التي لم تحصر الجرائم الأولية، فإن التشريع المغربي عكس ذلك، اعتمد الأسلوب الحصري في تحديد الجرائم التي اعتبرها محلا لجريمة غسل الأموال، وذلك من خلال الفصل 574.2 من القانون 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال، والذي حدد فيه المشرع قائمة تضم 24 صنفا من الجرائم، كما وسع المشرع المغربي من نطاق ارتكاب هذه الجرائم، بحيث عاقب عليها ولو ارتكبت خارج التراب المغربي.

عملية غسل الأموال

تصنف عملية غسل الأموال ضمن الجرائم المعقدة، إذ يصعب تتبعها للوصول إلى المصدر الأصلي للأموال. وتمر العملية عادة من 3 مراحل متتالية ترتبط فيما بينها، وهي مرحلة الإيداع ومرحلة التمويه ومرحلة الدمج.

في مرحلة الإيداع، يتم فيها إدخال الأموال "غير المشروعة" إلى النظام المالي، عبر إيداعها نقدا إما في البنوك أو مكاتب الصرافة، كما يتم إدخالها عن طريق شراء أصول قابلة لـ"التسييل" بمعنى يمكن تحويلها إلى سيولة نقدية، مثل العقارات والسيارات والسلع الثمينة.

أما مرحلة التمويه، تهدف هذه الأخيرة إلى إخراج الأموال من البيئة "غير الرسمية" إلى النظام المالي "الرسمي"، مع ما يعنيه ذلك من إمكانية التصرف فيها بشكل قانوني نسبيا، بعيدا عن شكوك أنظمة الرقابة. تهدف إلى تعقيد عملية تتبع مسار الأموال، ويتم فيها تنفيذ سلسلة من المعاملات المالية المعقدة والمتنوعة، مثل التحويلات البنكية المتكررة والمتداخلة بين حسابات مختلفة وشراء وبيع الأسهم أو السندات وتحويل الأموال دوليا عبر استخدام الشركات الوهمية.

وتهدف هذه المعاملات إلى تمويه وتضليل أنظمة الرقابة المصرفية، التي يصعب عليها تعقب أثر الأموال بفعل هذه العملية المعقدة.

في مرحلة الدمج، تُدمج "الأموال المغسولة" في الاقتصاد الرسمي بصورة تبدو "مشروعة"، إذ يُستخدم المال في الاستثمار بأعمال تجارية حقيقية تسمح بشراء شركات والتوسع في الأسواق المالية، أو تمويل مشاريع اقتصادية "قانونية".

ويصعب حينها تمييز الأموال "المغسولة" عن الأموال "النظيفة"، ويصبح غاسلو الأموال قادرين على الاستفادة من أموالهم بصورة "قانونية" دون إثارة الشكوك أو الخوف من أنظمة الرقابة.

الآثار الأمنية لجريمة غسل الأموال

تؤدي عمليات غسل الأموال إلى العديد من المخاطر الأمنية التي تؤثر بشكل سلبي على كيان الدولة واستقرارها، ومن هذه المخاطر نجد:

  • إفساد الجهاز الأمني برشوة رجال إنفاذ القوانين ورجال الشرطة.
  • إفساد الجهاز القضائي برشوة رجال القضاء، وفي حالة تعذر ذلك قد تلجأ المنظمة الإجرامية إلى التهديد بالقتل أحيانا، وقد يقتلون الأقارب والحراس ليخضع لهم من يريدون منه عدم ملاحقتهم، وعلى كل حال لا يحبذ رجال الجماعات المنظمة اللجوء إلى القوة والعنف إلا كمنفذ أخير، إذ يحبذون الرشوة لأن استعمال القوة والعنف يساعد على كشف أمرهم، وبالتالي تطبيق القانون عليهم وهم يريدون دائما العمل في الظلام.
  • تزايد عمليات غسل الأموال يؤدي إلى زيادة الإنفاق على الأمن بزيادة عدد أفراده، وتجهيزهم بوسائل التقنية المتقدمة ويكون ذلك بالتالي على حساب التنمية، مما يؤدي إلى زيادة حجم البطالة وفشل خطط التنمية.

الجزاء في جرائم غسيل الأموال

بالرجوع لقانون مكافحة غسيل الأموال المغربي يلاحظ تنوع العقوبات الواردة فيه، تبعا لاختلاف جسامة الأفعال المرتكبة والخطورة الإجرامية التي يجسدها مرتكب كل فعل من الأفعال المذكورة على حدة والواردة في هذا القانون.

كما أن مرتكبي جريمة غسل الأموال ليسوا دائما أشخاصا طبيعيين، فقد يكونون أشخاصا معنويين أو اعتباريين، ومن ثم كان لزاما علينا توضيح طبيعة هاته العقوبات والتي أوردها المشرع المغربي في القانون 43.05.

العقوبات الأصلية

تتمثل هاته العقوبات في عقوبتي الحبس والغرامة سواء في صورة الجريمـة البسيطة أو المشددة.

عقوبة الجريمة في صورتها البسيطة

نص المشرع المغربي على هذه الصورة في الفصل 574-3 من ق.43.05، حيث يعاقب عليها:

بالنسبة للأشخاص الطبيعيين بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 20.000 درهم إلى 100.000 درهم.

وبالنسبة للأشخاص المعنويين بغرامة من 500.000 درهم إلى 300.000 درهم، دون الإخلال بالعقوبات التي يمكن إصدارها على مسيريها أو المستخدمين العاملين بها المتورطين في الجرائم.

وتجدر الإشارة إلى أن قانون مكافحة غسل الأموال عاقب على المحاولة بنفس العقوبات المقررة للجريمة في صورتهما البسيطة.

عقوبة الجريمة المقترنة بظروف التشديد

نص الفصل 574-4 من ق.43.05 على رفع عقوبات الحبس والغرامة إلى الضعف في الحالات التالية:

- عندما ترتكب الجرائم باستعمال التسهيلات التي توفرها مزاولة نشاط مهني: خصوصا إذا علمنا أن جريمة غسل الأموال تتم عن طريق تظافر جهود مجموعة من خبراء المال والمصارف وخبراء المعلوميات في حالة غسل الأموال بالطرق الالكترونية وخبراء القانون.

- عندما يتعاطى الشخص بصفة اعتيادية لعمليات غسل الأموال، والاعتياد هو حالة مرتبطة بنفسية الجاني تجعل العمل الجرمي مألوفا أو متعودا عليه، ويتم ذلك من خلال تكرار نفس الفعل الجرمي ليصبح سلوكًا عاديًا وممنهجاً لديه.

- عندما ترتكب الجرائم في إطار عصابة إجرامية منظمة.

العقوبات الإضافية

هاته العقوبات هي عقوبات يحكم بها القاضي، بالإضافة إلى عقوبات أخرى لا بد من الحكم به، حيث لا يمكن تطبيقها منفردة، بل إنها لا بد أن تأتي مضافة إلى عقوبات أصلية.

وقد نص قانون 05-43 على عقوبات تكميلية حددها الفصل 574-5 كما يلي:

1- المصادرة الجزئية أو الكلية للأموال التي استعملت لارتكاب الجريمة والعائدات المتحصلة من هذه الأموال مع حفظ حق الغير حسن النية ويحكم بها إلزامياً في حالة الإدانة.

2- حل الشخص المعنوي، إلا أن هذه العقوبة لا يتم اللجوء إليها إلا بعد فشل مسطرة                                                                               معالجة صعوبات المقاولة.

3- نشر المقررات المكتسبة لقوة الشيء المقضي به الصادرة بالإدانة بواسطة جميع الوسائل الملائمة على نفقة المحكوم عليه.

4- يمكن علاوة على ذلك الحكم على مرتكب جريمة غسيل الأمـوال بالمنع المؤقت أو النهائي من مزاولة -بصفة مباشرة أو غير مباشرة- واحدة أو أكثر من المهن أو الأنشطة أو الفنون التي ارتكبت الجريمة أثناء مزاولتها.