Todas las ideas

الاختصاص القضائي في منازعات العقود الدولية

Arabic
Blog
byسفيان جابري
onAugust 27, 2025

يعرف الاختصاص القضائي بوجه عام سلطة الهيئات القضائية بصفة عامة والمحاكم بصفة خاصة في منح الحماية القضائية للأشخاص في منازعاتهم، فإذا كان الهدف من إبرام العقود هو تنفيذها بشكل طوعي واختياري فإنه في بعض الحالات قد يرفض أحد المتعاقدين تنفيذ التزاماته بشكل طوعي تجاه المتعاقد الآخر، الشيء الذي يؤدي إلى تضرر مصالح هذا الأخير، ومن أجل حمايته خولت له التشريعات إمكانية اللجوء إلى القضاء للدفاع عن مصالحه من خلال إجبار المدين على تنفيذ التزاماته، ويتطلب ذلك اللجوء إلى المحكمة المختصة. 

وإذا كان تحديد الاختصاص القضائي في العقود غير المشوبة بعنصر أجنبي لا يثير صعوبات أو مشاكل في تعيين المحكمة المختصة لتسوية منازعات هذا النوع من العقود، على اعتبار أن مكونات هذه الأخيرة تكون مرتبطة بدولة المتعاقدين سواء من حيث محل إبرامها أو تنفيذها وكذا من حيث جنسية المتعاقدين، فإن الأمر على خلافه بالنسبة للعقود المشوبة بعنصر أجنبي التي تثير العديد من الصعوبات حول تعيين المحكمة المختصة.

وقد حاولت بعض التشريعات، سواء الوطنية أو الدولية، التعرض لقواعد تحديد الاختصاص القضائي في العقود الدولية أذكر منها اتفاقية بروكسل بشأن الاختصاص القضائي وتنفيذ الأحكام في المواد المدنية والتجارية بين دول الاتحاد الأوروبي لسنة 1968، وقانون المسطرة المدنية الفرنسي، وكذا قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري.

الشيء الذي يدفعنا إلى طرح تساؤل مفاده ما هي الضوابط التي يمكن اعتمادها في تحديد الاختصاص القضائي في العقود الدولية ؟

المطلب الأول: ضابط الإرادة في تحديد المحكمة المختصة

يعد ضابط الإرادة من أهم الضوابط التي عادة ما يتم الاعتماد عليها في تحديد الاختصاص القضائي في العقود الدولية، إذ من حق المتعاقدين الاتفاق على تحديد المحكمة المختصة للنظر في النزاع القائم بينهما، بالإضافة إلى أن اتفاق المتعاقدين على إسناد الاختصاص القضائي لمحكمة معينة من شأنه تحقيق مصلحة مشتركة لهما معا.

وقد أخذ بهذا الضابط بعض القوانين الوطنية المقارنة، نذكر منها قانون المسطرة المدنية الفرنسي بمقتضى المادة 48 منه، وكذا قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري بموجب المادة 32 منه، كما أخذت به بعض الاتفاقيات الدولية منها اتفاقية بروكسل بشأن الاختصاص القضائي وتنفيذ الأحكام في المواد المدنية والتجارية بين دول الاتحاد الأوروبي لسنة 1968، وذلك بمقتضى المادة 17 و18 منها.

ومن خلال استقراء المواد المشار إليها يتبين أن الإرادة كضابط لتحديد الاختصاص القضائي الدولي تتطلب وجود اتفاق بين المتعاقدين، ويستوي في ذلك أن يكون الاتفاق صريحا كأن يتم تضمين شرط الاختصاص القضائي ضمن بنود العقد الدولي، أو أن يتفق المتعاقدين بعد قيام نزاع بينهما على عرضه على محكمة معينة، أو أن يتم -الاتفاق- بشكل ضمني كأن يقوم أحد المتعاقدين برفع دعوى ضد المتعاقد الآخر في محكمة معينة، ولم يتمسك هذا الأخير بعدم اختصاصها، وهو ما يمكن اعتباره تعبير ضمني من طرفه على قبول عرض النزاع على تلك المحكمة.

كما يتطلب القضاء والفقه بعض الشروط في الاتفاق على الاختصاص القضائي حتى ينتج آثره، منها ضرورة توفر رابطة جدية بين النزاع المطروح والمحكمة التي اتفق عليها الأطراف أو توفر مصلحة مشروعة للأطراف في هذا الصدد، وألا يكون هذا الاتفاق منطويا على الغش، وفي هذا الإطار صدر قرار عن محكمة النقض الفرنسية استبعدت من خلاله بند الاختصاص القضائي الذي أورده مقدم الخدمة ضمن الشروط العامة على ظهر الفواتير المتعلقة بأداء الخدمة، دون عرضه مسبقا على المشتري، إذ لم يثبت موافقة هذا الأخير على ذلك البند، ومنه يتبين أنه لصحة شرط الاختصاص القضائي يجب أن يتفقا المتعاقدين معا عليه.

وتجدر الإشارة إلى أنه في حالة وجود نزاع بين المورد والمستهلك، فإن المشرع المغربي اعتبر بمقتضى المادة 202 القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك، كما غيرت وتممت بمقتضى القانون رقم 78.20 الصادر بتاريخ 11 دجنبر 2020، أن الاختصاص القضائي النوعي ينعقد حصريا للمحكمة الابتدائية، رغم وجود أي شرط مخالف، أما المحكمة المختصة مكانيا، فهي محكمة موطن أو محل إقامة المستهلك أو محكمة المحل الذي وقع فيه الفعل المتسبب في الضرر باختيار هذا الأخير.

وذلك راجع لكون المستهلك عادة ما يكون الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية، خاصة أنه المبادر في البحث عن السلع والخدمات التي يرغب فيها، وهو بذلك يأخذ زمام المبادرة في التعاقد، الشيء الذي قد يجعله يوافق على شرط الاختصاص القضائي دون علمه بوجد هذا الشرط ضمن بنود العقد الدولي

المطلب الثاني: الضوابط العامة لتحديد الاختصاص القضائي في منازعات العقود الدولية

قد لا يتفق المتعاقدين على تعيين الجهة القضائية المختصة بحل نزاعاتهم التي قد تنشأ عن العقد الدولي المبرم بينهم، سواء قبل قيام النزاع أو بعد قيامه، ففي هذه الحالة عادة ما يتم اللجوء إلى ضوابط أخرى، غير ضابط الإرادة، لتعيين المحكمة المختصة.

  1. ضابط اختصاص محكمة موطن أو محل إقامة المدعى عليه 

من القواعد المستقر عليها في التشريع الوطني والمقارن، القاعدة التي تنص على أن ''المدعي يتبع المدعى عليه"، أي أن المدعي هو الذي يسعى لمحكمة المدعى عليه ليقاضيه أمامها، ذلك أن الأصل هو براءة ذمة المدعى عليه إلى أن يثبت المدعي العكس، وليس من العدل أن يذهب المدعى عليه إلى محكمة المدعي ثم يتضح أن دعواه كيدية، ويتكبد نفقات الانتقال، بالإضافة أنه قد لا يستطيع الدفاع عن حقوقه بسبب عدم اتقانه اللغة الرسمية لدولة المدعي وكذا جهله بالإجراءات المتبعة أمام تلك المحكمة هذا من جهة، أما إن كانت فعلا تضررت مصالح المدعي فإن رفعه دعواه أمام المحكمة التي يوجد بدائرتها موطن المدعى عليه أو محل إقامته من شأنه أن يسهل على المحكمة المذكورة إمكانية التنفيذ على أموال هذا الأخير من جهة أخرى.

جدير بالذكر أن اتفاقية بروكسل بشأن الاختصاص القضائي وتنفيذ الأحكام في المواد المدنية والتجارية بين دول الاتحاد الأوروبي لسنة 1968، أعطت، بمقتضى الفقرتين الأولى والثانية من المادة 14 منها، للمستهلك الحرية في اختيار بين محكمة دولة إقامته ومحكمة دولة محل إقامة البائع، وذلك في الحالة التي يكون فيها مدعيا، أما الدعوى التي يرفعها البائع على المستهلك فلا يمكن إقامتها إلا أمام محاكم الدولة التي يوجد بها موطن المستهلك أو محل إقامته.

  1. ضابط اختصاص محكمة محل إبرام أو تنفيذ العقد

يتم اللجوء لهذا الضابط في الحالة التي يسكت فيها المتعاقدين عن تحديد المحكمة المختصة في المنازعات الناشئة عن العقد الدولي، أو في حالة ما إذا كان المتعاقدين ليس لهما موطن أو محل إقامة في المكان الذي تم فيه إبرام العقد أو تنفيذه، ويقصد به اختصاص محكمة المكان الذي نشأ فيها العقد أو اختصاص محكمة الدولة التي تم تنفيذ الالتزامات التعاقدية فيها.

وقد أخذت بهذا الضابط بعض القوانين الوطنية المقارنة منها قانون المسطرة المدنية الفرنسي بمقتضى الفقرة الثانية من المادة 46، وقانون المرافعات المدنية والتجارية المصري بمقتضى المادة 30 منه.

أما المشرع المغربي لم يأخذ بهذا الضابط في جميع الدعاوى، وإنما حصر نطاقه في دعاوى التجهيز والأشغال والكراء وإجارة الخدمة أو العمل.

وفي هذا الصدد صدر قرار عن محكمة الاستئناف بكولمار الفرنسية، في قضية تجمع بين طرفين أحدهما من دولة رومانيا بصفته مشتريا والآخر من دولة فرنسا بصفته بائعا، جاء فيه على أنه " من خلال ظروف القضية يتبين أن عمليات تسليم البضاعة قد تمت بمجرد اتاحتها في محل بائع البضاعة، وأن البضاعة قد تم نقلها على عاتق المشتري، وهو ما نستنتج من خلاله أن التسليم قد تم بمحل إقامة البائع الذي يوجد بفرنسا، وبالتالي تعد محكمة كولمار مختصة للبت في النزاع".

يتبين من خلال هذا القرار أن تنفيد الالتزام بالتسليم قد تم بمجرد تمكين البائع البضاعة للمشتري بمحل البائع، وأن نقل البضاعة محل العقد من دولة فرنسا إلى دولة رومانيا قد تم على عاتق المشتري، وهو ما يعني أن تنفيذ الالتزام قد تم في محل إقامة البائع، أي بفرنسا، وبالتالي تكون المحكمة المختصة هي محكمة دولة فرنسا، على خلاف لو اتفق المتعاقدين على أن تنفيذ الالتزام بالتسليم يتم بمحل اقامة المشتري، حيث تكون المحكمة المختصة في هذه الحالة هي محكمة دولة المشتري، وهي رومانيا حسب القضية المشار إليها.

  1.  ضابط الجنسية في تحديد محكمة المختصة

ينعقد الاختصاص القضائي وفق هذا الضابط لمحاكم الدولة التي ينتمي إليها المتعاقد بجنسيته وهو ضابط شخصي وغير إقليمي، مبني على صفة الشخص دون الاعتداد بالإقليم، بالإضافة إلى أنه ضابط عام لأنه لا يقتصر على طائفة معينة من المنازعات دون غيرها. 

وقد أخذت بهذا الضابط بعض القوانين المقارنة، منها القانون المدني الفرنسي بمقتضى المادتين 14 و15 منه، حيث اسندت الاختصاص القضائي للمحاكم الفرنسي في المنازعات التي تجمع بين فرنسي وأجنبي، حتى ولو لم يكن هذا الأخير مقيما في دولة فرنسا، وسواء تم التعاقد في هذه الأخيرة أو في دولة أجنبية، ونفس الاتجاه سار عليه المشرع الجزائري، بمقتضى المادتين 41 و42 من قانون الاجراءات المدنية والادارية، وعليه يمنح هذا الضابط للمتعاقد امتياز قضائي وذلك بإسناد الاختصاص القضائي لمحاكم الدولة الذي ينتمي إليها بجنسيته.

غير أن اسناد الاختصاص القضائي بالاعتماد على ضابط جنسية المتعاقد من شأنه أن يتعارض مع القاعدة العامة التي تنص على أن ''المدعي يتبع المدعى عليه"، وذلك في الحالة التي يكون فيها ذلك المتعاقد مدعي، إذ ليس من العدل تطبيق ضابط الجنسية في هذه الحالة، وبالتالي يتعين أن يكون المتعاقد مدعى عليه وحاملا لجنسية بلده، حتى يتمكن من الاستفادة من الامتياز القضائي الذي يمنحه ضابط الجنسية بإسناد الاختصاص لمحاكم الدولة التي ينتمي إليها بجنسيته.   

--

تم إنجاز هذا المقال في إطار حملة التوعية القانونية التي يقودها طلبة الدفعة الأولى المشاركين في برنامج العيادة القانونية بوجدة، في إطار برنامج "تعزيز المشاركة بين المجتمع المدني والجامعة - جهة الشرق"، الذي تنفذه مؤسسة الأطلس الكبير والممول من الصندوق الوطني للديمقراطية (NED). ويهدف البرنامج إلى تعزيز التعاون بين الجامعات ومنظمات المجتمع المدني، وتزويد الطلبة بالمهارات العملية لمعالجة القضايا الاجتماعية والقانونية وتعزيز الوعي المجتمعي بجهة الشرق. المحتوى يعكس وجهة نظر الكاتب ولا يُمثّل بالضرورة موقف الجهات الداعمة أو المنفذة.