Todas las ideas

السياسات الوطنية في تدبير الهجرة: جدلية السيادة وحماية حقوق الإنسان في التجربة المغربية

Unnamed 81
Blog
by
رانية بنزيان
طالبة باحثة بسلك الدكتوراه، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة
onJuly 8, 2026

تُعتبر الهجرة واحدة من أقدم الممارسات الإنسانية وأكثرها ارتباطاً بتاريخ البشرية، فالإنسان ينتقل دائماً من مكان إلى آخر هرباً من الحروب، أو بحثاً عن لقمة العيش، والأمان، والكرامة. لكن في عالمنا المعاصر القائم على الحدود والتشديدات الأمنية، تحول هذا السلوك الطبيعي إلى موضوع شائك يثير الكثير من الجدل السياسي والقانوني. وتجد الدول نفسها أمام معادلة صعبة: كيف تحمي حدودها وأمنها الداخلي، وفي نفس الوقت تحترم حقوق الإنسان وتصون كرامة المهاجر الوافد إليها؟

المغرب ليس استثناءً من هذه المعادلة، بل إنه يعيش تحولاً تاريخياً وعميقاً، فلم يعد مجرد محطة عبور يمر منها المهاجرون (خاصة القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء) نحو أوروبا، بل تحول إلى بلد استقرار نهائي يقيم فيه عشرات الآلاف. هذا الواقع الجديد فرض على المغرب الانتقال من المقاربة الأمنية الصرفة إلى سياسات جديدة تحاول إدماج هؤلاء الوافدين وأنسنة التعامل معهم.

القوانين التشريعية: من الهوس الأمني إلى الملاءمة الدستورية

المرجع القانوني الأساسي الذي ينظم إقامة الأجانب في المغرب هو القانون رقم 02.03، هذا القانون رُسم في سياق زمني متوتر دولياً ووطنيا تميز بضربات إرهابية (أحداث 11 سبتمبر 2001 وتفجيرات الدار البيضاء 2003)، ولهذا طغت عليه مسحة "زجرية وأمنية" واضحة، حيث يفرض عقوبات حبسية ومالية صارمة على الهجرة غير النظامية، ويعطي السلطات صلاحيات واسعة لترحيل الأجانب.

ورغم محاولات المشرّع وضع بعض الضمانات، إلا أن هذا القانون واجه انتقادات حقوقية واسعة (من أبرزها انتقادات المجلس الوطني لحقوق الإنسان) لكونه يركز على العقاب أكثر من التركيز على حماية الفئات الهشة كالأطفال والنساء. وأصبح هناك تناقض واضح بين لغة هذا القانون الزجرية، وبين دستور 2011 الذي يمنع التمييز ويؤكد على سمو المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، مما يجعل تعديل هذا القانون ضرورة ملحة.

الاستراتيجية الوطنية 2013: نقطة تحول نحو "الأنسنة"

شكّل تقرير حقوقي رُفع إلى جلالة الملك في شتنبر 2013 نقطة تحول في سياسة الهجرة بالمغرب، حيث أُطلقت على إثره الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء (SNIA)، التي أرست مقاربة جديدة تقوم على أربعة مرتكزات أساسية: احترام حقوق الإنسان، ومحاربة جميع أشكال التمييز، وإشراك المجتمع المدني في تدبير قضايا الهجرة، ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر.

تجلت هذه السياسة الإنسانية في عمليتين استثنائيتين (2014 و2016) تمت من خلالهما تسوية الوضعية القانونية لأكثر من 50 ألف مهاجر ومهاجرة، ومنحهم بطاقات الإقامة بناءً على معايير مرنة كمدة الإقامة والزواج المختلط والوضع الصحي.

ولم تقف المبادرة عند الأوراق فقط، بل امتدت لتشمل برامج إدماج اجتماعي ملموسة:

  • التعليم: دمج الأطفال المهاجرين في المدارس، حيث سُجل مئات الأطفال في برامج التعليم غير النظامي ومدارس الفرصة الثانية.
  • الاقتصاد والتشغيل: مرافقة المهاجرين لإنشاء مقاولات ذاتية ومشاريع مدرة للدخل عبر الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (ANAPEC).
  • العدالة: حماية ضحايا الاتجار بالبشر عبر إصدار القانون 27.14، مما ساهم في خفض أعداد الضحايا بشكل ملموس.

الواقع الميداني في جهة الشرق: مأساة على خط الحدود

رغم الخطاب الحقوقي الإيجابي في العاصمة، إلا أن الممارسة الميدانية على الحدود تصطدم بالواقع المرير، وتحديداً في الجهة الشرقية للمملكة (الحدود المغربية الجزائرية). يواجه المهاجرون في هذه المناطق الجبلية والوعرة ظروفاً مناخية بالغة القسوة من برد شديد وعطش وإعياء.

وتشير التقارير الحقوقية إلى تصاعد مقلق في عدد الوفيات على الحدود، حيث تم توثيق عشرات الوفيات والمفقودين في مناطق كجرادة وفكيك وبوعرفة. تعيد هذه المآسي إلى الأذهان أحداثاً سابقة مؤلمة ارتبطت بنظام الحدود الصارم، مثل أحداث "تاراجال" بسبتة المحتلة عام 2014، وأحداث اقتحام سياجات مليلية عام 2005، والتي تلتها عمليات ترحيل قسري في ظروف وصفتها المنظمات غير الحكومية بالمهينة.

وفي ظل هذه الصعوبات والمساحات النائية، يبرز الدور البطولي لجمعيات المجتمع المدني المحلية، فبعد أن كانت منظمات دولية "كـأطباء بلا حدود" تقدم الإسعافات الطبية الطارئة سابقاً، ظهرت اليوم مبادرات محلية واعدة مثل "المرصد الإقليمي لتسهيل ولوج المهاجرين إلى العدالة بجهة الشرق" (تأسس عام 2022 بالشراكة بين جامعة محمد الأول والجمعيات المحلية) لتوثيق الانتهاكات وتوفير المساعدة القانونية والمترجمين للمهاجرين.

جيوسياسية الهجرة: ضغوط أوروبية ونقاش مجتمعي

لا يمكن فهم ملف الهجرة في المغرب دون النظر إلى العلاقة مع الاتحاد الأوروبي. فأوروبا تتبنى سياسة "أمنية مشددة"، وتحاول تصدير مهمة حراسة حدودها إلى دول الجنوب كالمغرب، مما يضع على عاتق الميزانية المغربية كلفة مالية وعسكرية ولوجيستية ضخمة، حيث تمكنت البحرية الملكية المغربية من إنقاذ عشرات الآلاف من المهاجرين في عرض البحر خلال السنوات الأخيرة.

كما يتحول ملف الهجرة أحياناً إلى ورقة ضغط دبلوماسية، كما حدث خلال الأزمة المغربية الإسبانية في مايو 2021، حين أدى تدفق آلاف المهاجرين نحو ثغر سبتة إلى إعادة صياغة التفاهمات السياسية بين البلدين. وفي الداخل، يثير تدبير الهجرة نقاشاً مجتمعياً متبايناً؛ إذ تدعو أصوات حقوقية إلى تعزيز إدماج المهاجرين، وتسهيل إقامتهم، وحماية حقوقهم انسجاماً مع مبادئ التضامن وحقوق الإنسان، في حين تعبر فئات أخرى عن مخاوف مرتبطة بتأثير الهجرة على سوق الشغل، والبنية الديمغرافية، والأمن الاجتماعي، وتطالب بتشديد القوانين وترحيل المهاجرين في وضعية غير نظامية.

في النهاية، يتبين أن تسوية وضعية المهاجرين لا يمكن أن تنجح بحلول مؤقتة أو حملات معزولة، بل تتطلب استراتيجية شاملة توازن بين سيادة الدولة والالتزام الإنساني. ولتحقيق ذلك، نقترح خارطة الطريق التالية:

- تعديل القوانين : الإسراع بمراجعة القانون 02.03 ليتلاءم مع دستور 2011، وإلغاء تجريم الإقامة غير النظامية، وإصدار قانون وطني حديث للجوء.

- أنسنة المراقبة الحدودية : الوقف الفوري لكل أشكال العنف أو الطرد العشوائي في المناطق الحدودية والغابات، وضمان المعاملة الإنسانية.

- المساواة في الحقوق : تمكين المهاجرين من التغطية الصحية، وتوسيع ولوجهم للتعليم وسوق الشغل المنظم لمنع تهميشهم.

- شراكة دولية عادلة : الانتقال مع الشركاء الأوروبيين من منطق "حراسة الحدود" إلى منطق "المسؤولية المشتركة" والاستثمار التنموي في دول المنشأ.

-  محاربة خطاب الكراهية : التصدي للعنصرية والتمييز في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، ونشر الوعي بالهجرة كعنصر غنى وتنوع ثقافي واقتصادي للمجتمع.

--

تم إنجاز هذا المقال في إطار حملة التوعية القانونية التي يقودها طلبة الدفعة الثانية المشاركين في برنامج العيادة القانونية بوجدة، في إطار برنامج "تعزيز المشاركة بين المجتمع المدني والجامعة - جهة الشرق"، الذي تنفذه مؤسسة الأطلس الكبير والممول من الصندوق الوطني للديمقراطية (NED). ويهدف البرنامج إلى تعزيز التعاون بين الجامعات ومنظمات المجتمع المدني، وتزويد الطلبة بالمهارات العملية لمعالجة القضايا الاجتماعية والقانونية وتعزيز الوعي المجتمعي بجهة الشرق. المحتوى يعكس وجهة نظر الكاتب ولا يُمثّل بالضرورة موقف الجهات الداعمة أو المنفذة.