Todas las ideas

رخصة البناء ومخالفات التعمير في ضوء التشريع المغربي

Unnamed 87
Blog
by
سهيلة بن حمادة
، طالبة باحثة ماستر العقود والأنظمة العقارية
onJuly 21, 2026

أصبح قطاع التعمير مصدرا مهما لجلب الاستثمارات الوطنية والأجنبية وأصبحت المدن مركزا اقتصاديا تتمركز فيه نسبة كبيرة من الساكنة النشيطة حيث شهدت هذه المدن ارتفاعا مطردا في نسبة السكان الحضريين بفعل تزايد الهجرة نحو المدن، وإذا كان  التعمير يهدف إلى تهيئة الأراضي وتحديد ضوابط استعمالها وفق متطلبات التنمية العمرانية المستدامة، فإن المشرع قد أحاط عملية التشييد والبناء برقابة قبلية صارمة تتجسد أساسا في رخصة البناء. بحيث تعتبر الآلية القانونية التي تضمن مطابقة المشاريع العمرانية للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل وضمان عدم خروج العقار عن الوظيفة التي رسمتها له وثائق التعمير. ورخصة البناء هي قرار إداري صادر من سلطة مختصة قانونا تمنح بمقتضاه الحق للشخص بإقامة بناء جديد أو تغيير بناء قائم قبل البدء في أعمال البناء التي يجب أن تحترم قواعد قانون التعمير.

الجهة المكلفة بتلقي طلب رخصة البناء في ضوء مرسوم ضابط البناء العام لسنة 2019 

حدد ضابط البناء العام، المصادق عليه بمقتضى المرسوم رقم 2.18.577 بدقة متناهية الجهات المنوط بها استقبال طلبات رخص البناء، وكذا الإجراءات المسطرية الواجب اتباعها لفحصها ودراستها. وعلى الرغم من أن المقتضيات الأولية لضابط البناء العام كانت تقر بإيداع ملفات طلبات الترخيص البناء ماديا لدى كتابة ضبط الجماعة المعنية مقابل وصل ورقي إلا أن الانتقال نحو التدبير اللامادي لمساطر التعمير لم يعد مجرد خيار تقني، بل هو التزام قانوني يجد أساسه في الدورية المشتركة رقم 1607 الصادرة بتاريخ 27 فبراير 2013، والتي أرست اللبنات الأولى لتعميم تكنولوجيا المعلومات في الوكالات الحضرية. عبر تفعيل منصة “rokhas.ma” التي مكنت من رقمنة مسطرة الترخيص بشكل كامل، استنادا إلى المقتضيات الإجرائية التي جاء بها ضابط البناء العام المحدد لشروط وكيفيات تسليم الرخص. هذا المسار ساهم في تقليص الآجال وتوفير بيئة آمنة للمستثمر العقاري وهو ما ينسجم مع فلسفة القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية. 

أما على صعيد الأجهزة والجهات المختصة بالاستقبال والدراسة، فقد اعتمد المرسوم المذكور تصنيفا ثنائيا يميّز بين مستويين تفاعليين تبعا للحجم الديموغرافي للجماعة المعنية؛ حيث غدا إلزاميا إحداث آلية "الشباك الوحيد لرخص التعمير" لدى الجماعات التي يتعدى تعداد ساكنتها 50.000 نسمة، وكذا على مستوى المقاطعات المنصوص عليها في القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، وذلك بالاستناد إلى إحصاء السكان الرسمي والأخير المُثبت قانونا. إذ يلتزم أصحاب الشأن بوضع كافة المعلومات والإرشادات الضرورية المتعلقة بالوثائق المكونة للملفات، والمسالك والمساطر المعتمدة لمنح الرخص رهن إشارتهم، بالإضافة إلى اطلاعهم المستمر على وضعية تقدم ملفاتهم خلال فترة الدراسة. 

وفي هذا الإطار، تتولى هذه الجهة عينها مهمة دراسة طلبات الرخص المحددة في المادة 5 من المرسوم موضوع الدراسة المعنية باستثناء رخصة الإصلاح المتعلقة بالمباني القائمة. تتولى المصلحة الجماعية المختصة اتخاذ كافة التدابير والإجراءات الضرورية لمنح الرخص، وذلك من خلال استطلاع الآراء والحصول على التأشيرات المقررة قانوناً، وتُعد هذه القرارات الإدارية معروضة على توقيع رئيس مجلس الجماعة. وفي المقابل، واستناداً إلى المادة 24، فإن الجماعات التي يقل عدد سكانها عن 50.000 نسمة أو يساويه، تُحدث لفائدتها لجنة أو لجان إقليمية للتعمير على صعيد العمالة أو الإقليم؛ حيث يتم تعيين مقرها بقرار صادر عن عامل الإقليم أو العمالة المعني، ويُعهد إليها القيام بكافة التدابير القبلية اللازمة لمنح الرخص. ومع ذلك، فتحت المادة 16 إمكانية استثنائية تتيح لهذه الجماعات، بناءً على طلب من رئيس مجلسها ووفق اتفاق مع الإدارات المعنية، إحداث شباك وحيد خاص بها.

وتخضع دراسة الملفات للجان مختصة تضم أعضاء دائمين (ممثلين العمالة أو الإقليم والجماعة والوكالة الحضرية مع إضافة مصالح الاتصالات ومشغلي الشبكات في حالة المشاريع الكبرى) وأعضاء غير دائمين.

القرارات المتعلقة بمنح الرخص 

تتوزع هذه القرارات بين 3 اتجاهات رئيسية: منح رخصة البناء بشكل صريح عن رئيس المجلس الجماعي متى كان المشروع المزمع إنجازه مستوفيا لجميع الشروط التي تفرضها الأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، وقد تتخذ السلطة قرارا برفض الترخيص وذلك في حالة ما إذا تبين للسلطة المختصة أن الملف ينقصه أحد الوثائق اللازمة أو أن البناء يخرق مقتضيات النصوص الجاري بها العمل أو يتنافى مع محتويات وثائق التعمير، وقد يتمثل القرار في تأجيل البت حيث حدد المشرع هذه الحالات من بينها الحالة التي يتم فيها في إطار دراسة تصميم التنطيق أو تصميم التهيئة على ألا تتجاوز مدة التأجيل سنتين. أما في حالة سكوت الإدارة وعدم صدور أي من هذه القرارات، فإن الأمر لم يعد خاضعاً للترخيص الضمني التلقائي المقرّر سابقاً في المادة 48 من قانون التعمير، بل أصبح  العمل الآن بمقتضيات القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية.

والذي يرتب على سكوت الإدارة نشوء "موافقة حكمية" تفرض على صاحب المشروع سلك مسطرة استصدار "إشهاد رسمي بسكوت الإدارة" عن طريق والي الجهة أو عامل الإقليم، ليكون هذا الإشهاد بمثابة السند القانوني المكتوب الذي يُخوّل له بدء الأشغال بشكل شرعي

 العقوبات المقررة لمخالفات البناء  والتعمير

عمل المشرع على تدعيم الترسانة القانونية للتعمير بالقانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، والذي عدل وتتم ونسخ بعض مقتضيات القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير، والقانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية، وكذا الظهير الشريف رقم 1.60.63 بشأن توسيع نطاق العمارات القروية، بحيث استهدف القانون المذكور تجميع المقتضيات الزجرية المتفرقة بين النصوص القانونية المنظمة لقطاع التعمير، وتوفير إطار قانوني متكامل للوقاية وزجر مخالفات البناء والتعمير.

ومن العقوبات المقررة لمخالفات التعمير تتنوع الجزاءات الزجرية المتعلقة بمخالفات التعمير والبناء بين عقوبات مالية وسالبة للحرية بحسب جسامة المخالفة وحالة العود. فبالنسبة للغرامات المالية، يُعاقب بغرامة من 2,000 إلى 10,000 درهم المالك الذي يستعمل مبناه لنفسه دون رخصة سكن أو شهادة مطابقة، وبغرامة من 2,000 إلى 20,000 درهم عن أي تغيير يُدخل على واجهة البناية دون ترخيص. وتتراوح الغرامة بين 5,000 و10,000 درهم في حالة الإخلال بمسك دفتر الورش، وبين 10,000 و20,000 درهم عند المساس بالمعالم التاريخية أو محيطها.

 أما البناء دون رخصة، أو في المناطق غير القابلة للبناء، أو على الأملاك العامة والخاصة للدولة والجماعات الترابية وأراضي الجموع، فتُفرض عليه غرامة من 10,000 إلى 100,000 درهم، وهي نفس قيمة الغرامة المفروضة على من يضع المبنى في متناول الغير قبل الحصول على رخصة السكن. وفي حالة تشييد بناية خلافاً للرخصة المسلمة بزيادة طوابق أو شقق، تكون الغرامة من 50,000 إلى 100,000 درهم، وتصل الغرامة من 100,000 إلى 200,000 درهم عند تشييد بناية فوق ملك عام أو خاص بالدولة أو الجماعات الترابية دون رخصة، بينما ترتفع لتتراوح بين 100,000 و5,000,000 درهم في حالة إحداث تجزئة عقارية أو مجموعة سكنية دون إذن سابق.

وفيما يخص العقوبات السالبة للحرية، يُعاقب بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر كل من قام بتشييد بناء خلافاً للرخصة المسلمة له بزيادة طوابق أو شقق، أو في حالة العود لاقتراف نفس المخالفة داخل أجل سنة من صدور حكم حائز لقوة الشيء المقضي به. ويرتفع الحبس ليتراوح بين ثلاثة أشهر وسنة واحدة في حالة العود للبناء دون رخصة أو في مناطق غير قابلة للبناء. وتصل العقوبة إلى الحبس من سنة إلى خمس سنوات لكل من قام بإحداث تجزئة عقارية أو مجموعة سكنية في منطقة غير قابلة لاستقبالها بموجب نظم التعمير، أو قام ببيع أو إيجار أو قسمة بقع منها أو توسط في ذلك دون الحصول على الإذن القانوني. كما تشمل هذه العقوبات الزجرية (سواء الغرامات أو الحبس) المشاركين في المخالفة من مقاولين، ومهندسين معماريين، ومساحين طبوغرافيين، ومختصين إذا لم يمتثلوا لأوامر السلطات بإيقاف الأشغال، حيث تقع عليهم نفس العقوبات المقررة للفاعلين الأصليين.  

-- 

تم إنجاز هذا المقال في إطار حملة التوعية القانونية التي يقودها طلبة الدفعة الثانية المشاركين في برنامج العيادة القانونية بوجدة، في إطار برنامج "تعزيز المشاركة بين المجتمع المدني والجامعة - جهة الشرق"، الذي تنفذه مؤسسة الأطلس الكبير والممول من الصندوق الوطني للديمقراطية (NED). ويهدف البرنامج إلى تعزيز التعاون بين الجامعات ومنظمات المجتمع المدني، وتزويد الطلبة بالمهارات العملية لمعالجة القضايا الاجتماعية والقانونية وتعزيز الوعي المجتمعي بجهة الشرق. المحتوى يعكس وجهة نظر الكاتب ولا يُمثّل بالضرورة موقف الجهات الداعمة أو المنفذة.