جميع الرؤى

الآليات الوقائية لمكافحة الاتجار بالبشر. أي نجاعة ؟

Image1
المدونة
by
ياسين مستور
طالب باحث بسلك الماستر في قانون الاقتصاد الرقمي و الأعمال كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية بوجدة
onAugust 28, 2026

أصبحت جريمة الاتجار بالبشر في عصرنا الحالي ثالت أكبر نشاط إجرامي بعد تجارة المخدرات والأسلحة وأهم مصادر الدخل الغير مشروع، فجريمة تهدد استقرار الدول، الأمر الذي جعل معظم دول العالم تعمل بشكل جماعي لمكافحة هذه الجريمة العابرة للقارات، وإدراكا لخطورة هذه الظاهرة، انخرط المغرب في الجهود الدولية الرامية إلى مكافحتها، من خلال المصادقة على عدد من الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها بروتوكول باليرمو لسنة 2000، كما أصدر القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر.

تبرز أهمية الموضوع في تقييم مدى نجاعة التدابير الوقائية التي اعتمدها المشرع المغربي في الحد من هذه الظاهرة، ومدى انسجامها مع الالتزامات الدولية، مع الوقوف على أوجه القصور واقتراح سبل تعزيز فعالية السياسة الوقائية في مكافحة الاتجار بالبشر.

الآليات التشريعية والقانونية

يعد تحديد مفهوم جريمة الاتجار بالبشر مدخلا أساسيا لفهم مختلف الآليات القانونية والمؤسساتية والوقائية المعتمدة لمكافحتها.

بالرجوع للمادة 3 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لسنة 2000، المعروف ببروتوكول باليرمو، عرفت الاتجار بالبشر بأنه: تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم، بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر، أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر، لغرض الاستغلال. ويشمل الاستغلال، كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي، أو السخرة أو الخدمة قسراً، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد أو نزع الأعضاء.

وبالرجوع إلى التشريع المغربي، فقد اعتمد المشرع تعريفا خاصا لجريمة الاتجار بالبشر ضمن مجموعة القانون الجنائي، بموجب القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر، حيث يقصد بالاتجار بالبشر تجنيد شخص أو استدراجه أو نقله أو تنقيله أو إيواؤه أو استقباله، أو الوساطة في ذلك، بواسطة التهديد بالقوة أو باستعمالها أو باستعمال مختلف أشكال القسر، أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع، أو إساءة استعمال السلطة أو الوظيفة أو النفوذ، أو استغلال حالة الضعف أو الحاجة أو الهشاشة، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو منافع أو مزايا للحصول على موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر، لغرض الاستغلال.

غير أن النجاعة الوقائية للتشريع لا تتوقف على وجود النص القانوني، وإنما ترتبط بمدى وضوحه وقابليته للتطبيق وفعالية المؤسسات المكلفة بتنفيذه.

الآليات المؤسساتية والتنسيق الوطني

أحدث المشرع المغربي اللجنة الوطنية لتنسيق إجراءات مكافحة الاتجار بالبشر والوقاية منه، باعتبارها آلية مؤسساتية تهدف إلى تنسيق الجهود الوطنية في هذا المجال. وتضطلع اللجنة بمهام مرتبطة بتنسيق السياسات العمومية، وتتبع تنفيذ الاستراتيجيات، وتعزيز التعاون بين مختلف القطاعات والمؤسسات المتدخلة. 

وتكمن أهمية هذه الآلية في أن جريمة الاتجار بالبشر ذات طبيعة مركبة، مما يجعل مواجهتها مسؤولية مشتركة بين قطاعات متعددة، من بينها وزارة العدل ووزارة الداخلية ومصالح الأمن الوطني والدرك الملكي والقضاء، إلى جانب قطاعات الصحة والتضامن ومؤسسات حماية الطفولة والمجتمع المدني. وفي هذا الإطار، عمل المغرب على تنفيذ استراتيجية وطنية لمكافحة الاتجار بالبشر والوقاية منه للفترة 2023–2030. بالنسبة للآثار المترتبة عن هذه الآلية تنقسم لآثار إيجابية تتجلى في تحقيق تكامل بين الجانب الأمني والقضائي من جهة، والجانب الاجتماعي والصحي من جهة أخرى. كما يساهم هذا التنسيق في تحسين الكشف المبكر عن الضحايا وتوجيههم للحماية والرعاية اللازمة،  أما على مستوى النتائج، فينتظر من الاستراتيجية الوطنية (2023-2030) أن تُساهم في الحد من إفلات الجناة من العقاب وتسهيل التنسيق بين مختلف الجهات لضمان عدم ضياع حقوق الضحية، إضافة إلى تكوين وتحسيس العاملين الميدانيين، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية لمتابعة الظاهرة وتقييم السياسات المعتمدة لمواجهتها

التوعية والتحسيس والوقاية المجتمعية

تمثل التوعية إحدى أهم الآليات الوقائية، لأن ضحايا الاتجار بالبشر غالبا ما يتم استدراجهم عن طريق الوعود الكاذبة، خصوصا المتعلقة بالعمل أو الهجرة أو الزواج أو تحسين الوضع الاجتماعي.

وتتطلب الوقاية المجتمعية تنظيم حملات تحسيسية لفائدة الفئات الهشة وتوعية الشباب بمخاطر عروض العمل الوهمية ونشر الثقافة القانونية المتعلقة بالاتجار بالبشر وتوعية الأسر بمخاطر استغلال الأطفال والتحسيس بمخاطر الاستغلال عبر الإنترنت وتوعية المهاجرين بمخاطر الشبكات الإجرامية.

وتزداد أهمية هذه الآلية في ظل استخدام شبكات الاتجار بالبشر لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية في استدراج الضحايا، مما يفرض تطوير حملات تحسيسية رقمية تستهدف الفئات الأكثر استعمالا لهذه الوسائط.

التكوين والتدريب ورفع قدرات المتدخلين

لا يمكن تحقيق الوقاية الفعالة دون تكوين الأشخاص المكلفين باكتشاف الجريمة والتعامل مع الضحايا. ولذلك يكتسي تدريب الشرطة والقضاء ومراقبي الحدود ومفتشي الشغل والعاملين الاجتماعيين أهمية كبيرة. وينبغي أن يشمل هذا التكوين التعرف على مؤشرات الاتجار بالبشر، والتمييز بين الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، والكشف المبكر عن الضحايا، وإجراء المقابلات معهم بطريقة تراعي وضعهم وحقوقهم، فضلًا عن حماية الأطفال والنساء ضحايا الاتجار، والتعامل مع الأدلة الرقمية، واحترام خصوصية الضحايا. وقد ساهمت برامج التعاون الدولي في دعم تكوين العاملين في مجال العدالة الجنائية وإنفاذ القانون بالمغرب، حيث أشارت الأمم المتحدة إلى برامج تدريب واسعة لفائدة المتدخلين في مكافحة الاتجار بالبشر.

الوقاية من خلال حماية الفئات الهشة

ترتبط جريمة الاتجار بالبشر ارتباطا وثيقا بوجود أوضاع اجتماعية واقتصادية تجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للاستغلال. لذلك، فإن الوقاية لا ينبغي أن تقتصر على التدابير الأمنية، بل يجب أن تشمل معالجة أسباب الهشاشة. وتشمل هذه المقاربة مكافحة الفقر والإقصاء الاجتماعي، ودعم الأطفال في وضعية صعبة، وحماية النساء من الاستغلال، وتحسين ظروف العمل، ومراقبة وكالات التشغيل، وحماية المهاجرين واللاجئين، إلى جانب توفير آليات آمنة للتبليغ.

ومن هنا، فإن الوقاية الحقيقية تقتضي الانتقال من الوقاية الأمنية الضيقة إلى الوقاية الاجتماعية والإنسانية، لأن حماية الأشخاص الموجودين في وضعية هشاشة تقلل من إمكانية استغلالهم من طرف الشبكات الإجرامية.

دور المجتمع المدني

يشكل المجتمع المدني شريكا أساسيا في الوقاية، بالنظر إلى قرب الجمعيات من الفئات الهشة وقدرتها على الوصول إلى أشخاص قد لا يتمكنون من اللجوء إلى السلطات. ويتجلى دوره في التوعية والتحسيس، واستقبال الضحايا، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والمساعدة القانونية، والمساهمة في التعرف على الضحايا، فضلًا عن التبليغ عن حالات الاستغلال. كما أن التعاون بين المؤسسات الحكومية والجمعيات يساهم في سد بعض الثغرات العملية، خصوصاً في مجال مواكبة الضحايا وإعادة إدماجهم.

يتضح أن المشرع المغربي اعتمد مجموعة متنوعة من الآليات الوقائية، تجمع بين التجريم والتنسيق المؤسساتي والتوعية والتكوين وحماية الفئات الهشة والتعاون الدولي. غير أن تعدد الآليات لا يعني بالضرورة تحقق النجاعة؛ إذ تبقى هذه الأخيرة مرتبطة بمدى التطبيق العملي، وفعالية التنسيق بين المتدخلين، والقدرة على الكشف المبكر عن الضحايا، وتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة.

وعليه، فإن نجاعة الآليات الوقائية لا تقاس بمجرد وجود النصوص والمؤسسات، وإنما بمدى قدرتها الفعلية على منع وقوع الجريمة، والتعرف المبكر على الضحايا، ومعالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل الأشخاص عرضة للاستغلال.

-- 

تم إنجاز هذا المقال في إطار حملة التوعية القانونية التي يقودها طلبة الدفعة الثانية المشاركين في برنامج العيادة القانونية بوجدة، في إطار برنامج "تعزيز المشاركة بين المجتمع المدني والجامعة - جهة الشرق"، الذي تنفذه مؤسسة الأطلس الكبير والممول من الصندوق الوطني للديمقراطية (NED). ويهدف البرنامج إلى تعزيز التعاون بين الجامعات ومنظمات المجتمع المدني، وتزويد الطلبة بالمهارات العملية لمعالجة القضايا الاجتماعية والقانونية وتعزيز الوعي المجتمعي بجهة الشرق. المحتوى يعكس وجهة نظر الكاتب ولا يُمثّل بالضرورة موقف الجهات الداعمة أو المنفذة.