جميع الرؤى

آليات حماية ضحايا الإتجار بالبشر

March Program Update 14
المدونة
by
لبنى السعدي
onJuly 5, 2025

في إطار تنزيل مشروع تعزيز مشاركة المجتمع المدني، احتضنت كلية الحقوق بوجدة يوم 29 أبريل 2025، ورشة تكوينية حول موضوع: "آليات حماية ضحايا الإتجار بالبشر"، نظراً لما يكتسيه هذا الموضوع من راهنية وأهمية متزايدة في ظل التحديات الإنسانية والأمنية التي يعرفها العالم. وقد أطر هذه الورشة الأستاذ محمد سعدي، بحضور مجموعة من الطلبة والمهتمين والفاعلين في مجال حقوق الإنسان.

استهل الأستاذ الورشة بمقدمة عامة عرف من خلالها جريمة الاتجار بالبشر باعتبارها من أبشع الجرائم المعاصرة، لما تنطوي عليه من انتهاك صارخ لكرامة الإنسان، إذ تحوله من غاية في ذاته إلى مجرد وسيلة تستغل لأغراض مادية أو معنوية. وأكد أن هذه الجريمة تمس الضمير الإنساني العالمي، كونها تجعل من الإنسان سلعة تباع وتشترى، ويستغل جسديا أو ذهنيا.

كما تطرق إلى الظروف المشددة للعقوبات في هذه الجريمة، خصوصا عندما ترتبط بهشاشة اجتماعية أو بنيوية، مثل استهداف الأطفال أو النساء، في ظل أوضاع ضعف تجعلهم أكثر عرضة للاستغلال. وخلال الورشة، استعان المؤطّر بمقاطع فيديو توضيحية ساهمت في تنشيط النقاش وتعزيز تفاعل الحضور ومشاركتهم الفعّالة. بعد ذلك، انتقل إلى تسليط الضوء على عدد من التعاريف الأساسية، من بينها تعريف الاستغلال، الذي يشمل الاستغلال الجنسي والسخرة والممارسات الشبيهة بالرق. وكما تطرّق إلى تعريف استغلال دعارة الغير، الذي يُقصد به الحصول غير المشروع على منافع مادية أو عملية من دعارة شخص آخر.

وركز المؤطر بشكل خاص على تعريف جريمة الاتجار بالبشر، باعتبارها المفهوم المحوري الذي يجب الوقوف عند مختلف عناصره. فهذه الجريمة تتسم بتشعّب مكوناتها وتداخلها مع جرائم أخرى مشابهة، مما يصعّب من عملية تحديدها بدقة أثناء التحري، ويؤثر على إجراءات التكييف القانوني لاحقًا. ويؤدي هذا التعقيد إلى صعوبة التعرف على الضحايا ومن ثمّ حرمانهم من الحماية القانونية التي يكفلها لهم القانون، لا سيّما أن هذه الجريمة غالبًا ما تُرتكب من خلال استغلال الضحايا في أفعال إجرامية يعاقب عليها القانون.

وبعد تحديد هذه الأشكال، انتقل الأستاذ إلى عرض الإطار القانوني الدولي المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر، مستعرضًا أبرز الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، والتي تشمل:

  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948): ينص في إحدى مواده على أنه "لا يجوز استرقاق أحد أو استعباده".
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966): ينص في المادة 8 على أنه "لا يجوز استرقاق أحد، ولا يجوز إخضاع أي شخص للعبودية أو السخرة".
  • الاتفاقية الخاصة بالرق (1926): تنص في مادتها الثانية على التزام الأطراف بمنع الاتجار بالرقيق والمعاقبة عليه، والعمل تدريجيًا وبأسرع ما يمكن على القضاء على الرق بجميع صوره.
  • الاتفاقية التكميلية لإبطال الرق وتجارة الرقيق والأعراف والممارسات الشبيهة بالرق 1956.
  • اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (2000) التي ضمت بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال، وبروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البر والبحر والجو.

بعد ذلك، تناول الأستاذ واقع الاتجار بالبشر في المغرب، مشيرًا إلى الجهود المبذولة من قِبل السلطات العمومية المختصة لمكافحة هذه الجريمة والحد من الشبكات الإجرامية الناشطة في مجال الهجرة غير النظامية وتهريب المهاجرين. وقد كشفت المعطيات الرسمية عن تطوّر ملحوظ في عدد الشبكات التي تم تفكيكها، حيث ارتفع هذا العدد من 98 شبكة في عام 2013 إلى 256 شبكة في عام 2021، ما يعكس تصاعدًا كبيرًا في مجهودات التصدي. وفي عام 2022، ورغم تأثير جائحة كورونا، استمر عدد الشبكات المفككة في الارتفاع، حيث بلغت نسبة الزيادة 125% مقارنة بالسنوات السابقة، مما يدل على التنامي المستمر لهذا التهديد.

وفي سياق تعزيز الإطار القانوني، واصل المغرب جهوده من خلال تطبيق القانون 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر. وقد تم إحداث اللجنة الوطنية لتنسيق إجراءات مكافحة الاتجار بالبشر والوقاية منه سنة 2018، إلى جانب اتخاذ مجموعة من التدابير الهامة، من أبرزها:

  • اتخاذ مجموعة من الإجراءات القضائية لضمان حماية ضحايا الاتجار بالبشر، من أبرزها الحرص على عدم مواجهة الضحية بالمتهم أثناء التحقيق أو المحاكمة، والتأكيد على حق الضحايا في تنصيب أنفسهم طرفًا مدنيًا في الدعوى، أو الاستماع إليهم كشهود، مع ضمان سرية الجلسات، وتمتيع القاصرين بالمساعدة القضائية.
  • إحداث وحدة على صعيد رئاسة النيابة العامة متخصصة في تتبع قضايا الإتجار بالبشر واللجوء والأشخاص ذوي الإحتياجات الخاصة.
  • إحداث شبكة النواب الوكلاء العامين للملك على صعيد محاكم الاستئناف متخصصة في قضايا الاتجار بالبشر.
  • تكوين فرق من المساعدين الاجتماعيين داخل المحاكم، مكلفة بتحديد الضحايا، والتكفل بهم، ومرافقتهم خلال مختلف مراحل المتابعة القضائية.

وأكد الأستاذ أن مكافحة هذه الجريمة تتطلب تضافر جهود مختلف المؤسسات والهيئات الوطنية، ومن أبرزها: رئاسة الحكومة، وزارة الأسرة والتضامن والمساواة، المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وزارة الصحة، وزارة النقل، المجلس الوطني لحقوق الإنسان، المجتمع المدني، رئاسة النيابة العامة، وزارة العدل، ووزارة الشؤون الخارجية.

وفي ختام العرض، تم التطرق إلى قرار محكمة النقض رقم 3/131 الصادر بتاريخ 27 يناير 2021 في الملف الجنحي عدد 2020/3/6/13409، باعتباره مرجعًا قضائيًا مهمًا يعزز الفهم القانوني لجريمة الاتجار بالبشر بالمغرب ويكرّس توجهات قضائية متقدمة في حماية الضحايا.