جميع الأفكار

جولة برنامج ذاكرة حول حوارات عن التراث: قريتا تنمرت وتفنغا ن بركا

Yo
المدونة
byجمال مغيوزي
onDecember 26, 2022

English Version

بقلم جمال مغيوزي، منسق ثقافي لدى برنامج ذاكرة

يعد 20 ديسمبر يوما للاحتفال بالتضامن الإنساني على الصعيد الدولي. وهذا المفهوم متجذر بعمق في ممارسات الأمم المتحدة منذ تأسيسها. تتمسك مؤسسة الأطلس الكبير بمبادئ الوحدة والتنوع والتضامن، التي يجسدها الشعب المغربي والأولويات الرسمية للمملكة. تفخر المؤسسة بتنفيذ عدة برامج تعزز التضامن الإنساني والوئام الاجتماعي، أبرزها برنامج ذاكرة التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. وتخليدا لهذا اليوم، يعبر جمال، منسق ثقافي لدى برنامج ذاكرة، أدناه عن كيف ساعد التضامن في الماضي بين المسلمين واليهود بتنمرت في بناء مجتمعات أكثر شمولا في المنطقة

أداء رقصة أحواش التقليدية رفقة أفراد المجتمع المحلي بتنمرت. الصورة بعدسة: جمال مغيوزي/مؤسسة الأطلس الكبير

في الفترة ما بين 28 سبتمبر و3 أكتوبر 2022، أشركت مؤسسة الأطلس الكبير سبع مجتمعات محلية في جنوب المغرب في احتفالات حول الحوار الثقافي، حيث روى خلالها كبار السن المحليون ذكريات وقصص من حياتهم، وساهمت الأجيال الشابة بأسئلتهم وتجاربهم الخاصة، وسلط شركاء المجتمع المحلي الضوء على التقاليد المحلية التي تم التعبير عنها من خلال الموسيقى والرقص والطعام. وقد تم تنظيم الجولة في إطار برنامج ذاكرة التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية

حطت الجولة رحالها يوم السبت 1 أكتوبر بتنمرت، إحدى قرى إقليم تارودانت، حيث أقطن وأعمل على جمع وإعادة مشاركة “ذاكرة” المنطقة وأناسها المتعددة الثقافات لمدة عام. وفي هذا اليوم، اجتمع فريق برنامج ذاكرة-مؤسسة الأطلس الكبير، وجمعية إكيوا بتنمرت، وتعاونية تيزنينت بتفنغا ن بركا، وجمعية قدماء تلاميذ ثانوية الأ رك بقرية إغرم، وأعضاء جمعية أباء وأولياء الأمور التلاميذ، وتلاميذ إعدادية وثانوية الأ رك ومجموعة من موسيقيي فرقة إيمرجان، إذ ساهموا بشكل فريد في هذا الحدث الثقافي. وانضم إليهم أفراد من المجتمع المحلي من عدة قرى، بما في ذلك تفنغا ن بركا وتنمرت، وتيفلسين، وأنيلول، وإغرم، وأكرض، وإكا فاين، وإغيل إيسمسدن، وأمان ن تزارت، وتفنغا، وأقا، وإفسفاس، وتغمي ن تيزنيت، ودو أساون. وقد تخطت نسبة المشاركة التوقعات، حيث شهد الحدث حضور 143 شخصا – 73 رجلا و 60 امرأة و 29 شابا وشابة – على الرغم من أنه كان من المتوقع حضور 80 فقط

أصول وذكريات: والدة دا حسن

أخبرني دا حسن، الذي تعرفت على عائلته خلال فترة عملي مع برنامج ذاكرة، أنه على الرغم من أنهم يعيشون الآن في تفنغا ن باركا، القرية التي ينحدر منها والده، إلا أن والدته ولدت وترعرعت في تنمرت، القرية التي استضافت الجولة. عبرت والدة دا حسن عن حنينها إلى طفولتها هناك، التي استمتعت بها كثيرا، فدائما ما حرصت على زيارة منزل والديها في هذا المكان المميز وتحضير وجبات الطعام لهم

وكانت والدة دا حسن إلى جانب عدد من النساء الأخريات من المنطقة قد سبق لهن أن استقبلن فريق برنامج ذاكرة- مؤسسة الأطلس الكبير في تفنغا ن بركا خلال زيارة ثقافية نظمت في أواخر شهر يوليو. ثم شاركن في سلسلة من الورشات، بما في ذلك ورشة تمكين النساء، فضلا عن حوار مجتمعي وحدث لتبادل القصص حول المجتمعات اليهودية. علقت إحدى النساء، السيدة حورية، خلال المحادثات التي جرت أثناء الجولة: “نتمنى لو أنكم تعلموننا دائما أشياء جديدة مثل هذه”

في اليوم الذي كانت ستستقبل فيه القرية الحدث، استيقظت والدة دا حسن وقت صلاة الفجر، وأعدت حساء الشعير التقليدي والخبز والقهوة المنسمة بالأعشاب المحلية لعائلتها. أطعمت دجاجها وماعزها وبقرها، ثم سرجت دابتها وحملت كل ما تحتاجه لطهي وجبة الكسكس في تنمرت. وعلى الرغم من أن رحلتها استغرقت نصف ساعة، تمكنت من الوصول إلى القرية قبل فريق برنامج ذاكرة-مؤسسة الأطلس الكبير، الذي انطلق من مدينة تارودانت. خلال الحدث نفسه، قامت بمهام متعددة، بما في ذلك مراقبة الكسكس أثناء طهيه وحرصها أيضا على التواجد بخيمة النشاط للمشاركة في الحوارات

لقاء المجتمع: قصص، تيزرارين، وأحواش

شارك فريق برنامج ذاكرة-مؤسسة الأطلس الكبير عند وصوله سكان قرى تنمرت وتفنغا ن بركا، وجبة الفطور بغرفة الضيوف (تمصريت)، قبل الانضمام إلى الجميع داخل الخيمة. بدأت النساء المحليات على الفور في الغناء معا، وتوالت الأدوار لتقدم كل منهن أداء منفردا. شارك الرجال أيضا في هذا النشاط الموسيقي، ولا سيما بعض الشعراء المحليين: دا عمر، دا محمد، دا مبارك، دا زكريا، السيدة فاديم، السيدة الزهراء، السيدة سلطانة، السيدة فاضمة. كما اختتم هذا الحدث الفريد بالمزيد من الموسيقى التي عزفتها فرقة إيمرجان، وأدى أفراد المجتمع المحلي رقصة أحواش رفقة أعضاء فريق مؤسسة الأطلس الكبير

خيمة حوار حول التراث مع أفراد المجتمع المحلي بتنمرت. الصورة بعدسة: جمال مغيوزي/مؤسسة الأطلس الكبير

دعونا نذكر أنفسنا أنه قبل اختراع الكتابة، ظل الناس يتواصلون شفهيا لعدة قرون. لا يزال الأمازيغ ينتجون الشعر الشفهي إلى حد كبير ويغنون معا. يستمد الشعراء إلهامهم من الجمهور بمجتمعاتهم المحلية. خلال هذا الحدث، عبر أفراد المجتمع عن تحياتهم وترحيبهم واحتفالهم وشكرهم من خلال ما يسمى “تيزرارين” بتشلحيت، أحد أنواع الأدب الأمازيغي الذي يتغنى به الناس في المناسبات الاجتماعية مثل حفلات الزفاف. يمكن أن يتخذ أحيانا شكل حوار بين الشعراء حول مواضيع الشكر والإطراء والمغازلة في الأماكن العامة وأمام الأقارب والأصدقاء. يستخدم الشعراء تشبيهات لوصف جمال الفتيات باستخدام صور مجازية مثل الزهرة (ⴰⵊⴷⴷⵉⴳ)، والحصان (ⴰⵢⵢⵉⵙ)، والشمس (ⵜⴰⴼⵓⴽⵜ)، والنجمة (ⵉⵜⵔⵉ)، والنحلة (ⵜⴰⵣⵣⵡⵉⵜ)، والغزال (ⴰⵣⵏⵓⴽⵯⴹ) والطيور (ⴰⵢⵍⴰⵍ)

رقصة أحواش بتنمرت. الصورة بعدسة: جمال مغيوزي/مؤسسة الأطلس الكبير

تطرقت السيدة رشيدة في بحثها إلى العلاقة بين المرأة والشعر الأمازيغي بقرية إغرم. تعتبر النساء الأمازيغيات في البادية مصدر قوة المجتمعات المحلية، إذ يعملن بجد كل يوم لتلبية متطلبات أسرهم و يقمن بأداء مهام أخرى خارج المنزل، مثل الأنشطة الزراعية والرعي. إن انشغال النساء الأمازيغيات في البادية بهذه المسؤوليات الكبيرة التي تقع على عاتقهن يحرمهن من تخصيص الوقت الكافي للاهتمام بأنفسهن. ومع ذلك، تجتمع هؤلاء النساء في أساراج، مكان اللقاء المشترك، للدردشة والرقص وغناء قصائد تزرارت. يجذب غناؤهن الجميل جمهورهن لأنه نابع من القلب. من خلال مثل هذه القصائد، يعبرن عن التحديات اليومية التي يواجهنها للتعايش مع واقعهن ومستقبلهن المجهول

فرقة إيمرجان بتنمرت. الصورة بعدسة: جمال مغيوزي/مؤسسة الأطلس الكبير

استمتع فريق ذاكرة-مؤسسة الأطلس الكبير والحضور بالغناء والرقص المحلي الأصيل الذي يؤديه الرجال والنساء والشباب. كما قمنا بتيسير ورشة لتبادل القصص حول ذكريات المجتمعات اليهودية في المنطقة وقصص كيف يتذكرها السكان المحليون

شاركتنا السيدة رشيدة قصة جدتها مع الطائفة اليهودية بإغرم وإيرازان. تبلغ جدتها من العمر 86 عاما والتي عاشت، منذ عقود، مع أعضاء الطائفة اليهودية الذين كانوا يزورون إغرم لأغراض تجارية. كان والدها يعيش في قرية أكرض، التي لا تبعد كثيرا عن سوق إغرم الأسبوعي، حيث كان يبيع الفضة والأقمشة ويتبادل السلع مع العديد من التجار اليهود من قرية تاهلا ن إدا أوسملال. استضاف ذات مرة خياطا يهوديا أمازيغيا لطيفا وماهرا يدعى “حني” في منزله لأكثر من ثلاثة أشهر. قدمت له عائلة رشيدة خبز الفطير والبيض والشاي والزبدة والماء وأواني الطهي لأنه لم يكن يأكل من طعامهم. رأوا أيضا كيف كان يصلي مقابلا الحائط، لكنهم لم يفهموا أبدا ما كان يقرأه. كان “حني” يعود إلى عمله بعد الصلاة، وكان يغسل ثيابه وينظف غرفته بنفسه. تستحضر جدة رشيدة ذكريات بعض أعضاء الطائفة اليهودية، بن إيجا وبن حيون وبن ستيلة، الذين استخدموا الحمير والشاحنات لتوزيع السلع وكذا جمعها. وكثيرا ما كانوا يأتون إلى إغرم لبيع الفضة وزيت الزيتون والشموع وغيرها من الاحتياجات اليومية للسكان المحليين

ينحدر دا حسن، وهو في أواخر الستينيات من عمره، من تنمرت. كانت وظيفته الأولى رعي الأغنام والماعز مع والده. عند بلوغه حوالي سن 16، ذهب إلى فاس للعمل في متجر. وعندما اكتسب الخبرة، افتتح متجره الخاص بمكناس. تمكن من اصطحاب عائلته الصغيرة إلى هناك، ودعم أطفاله وشجعهم على الدراسة. ومثل باقي المشاركين، قبل الدعوة لحضور إحدى محطات جولة الحوار حول التراث بتنمرت. شاركنا قصته مع تاجر يهودي بمكناس اسمه “توليدانو”. اقترض دا حسن المال منه ذات مرة، ولكن عندما أغلق صديقه متجره في وقت لاحق، لم يعد يلتقيه. قلق دا حسن واستمر في البحث عن توليدانو، وفي النهاية صادف شخصا قاده إلى الكنيس حيث كان توليدانو يصلي. لم يكن يدرك أن وقت الصلاة قد حان، فذهب دا حسن إلى هناك بحثا عن صديقه. ولأول مرة، شاهد كيف تصلي الطائفة اليهودية. شعر دا حسن بالراحة عند مقابلة صديقه مرة أخرى وسداد الأموال التي اقترضها منه. لم يستطع أن يتخيل البقاء مدينا لصديقه اليهودي

بناء القدرات وتقاسم الهوية

إلى جانب الأنشطة التي تم تنظيمها في ذلك اليوم، أجرى فريق مؤسسة الأطلس الكبير تدريبا حول توثيق المواقع التاريخية والثقافية مع أربعة شباب من تنمرت ونظم لقاء تتبعيا مع أعضاء تعاونية تيزنينت، الذين شاركوا سابقا في ورشة تمكين المرأة التي نظمتها المؤسسة، لدعمهم نحو تحقيق هدف مشترك يتمثل في إنشاء مشتل الأشجار بتفنغا ن بركا. كما قدم بعض أفراد المجتمع المحلي شهادات مصورة تعبر عما تعني “تمغربيت” بالنسبة لهم

جمال مغيوزي منسق ثقافي لدى برنامج ذاكرة ويشتغل حاليا بمدينة تارودانت. يهدف برنامج ذاكرة التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، والذي تنفذه مؤسسة الأطلس الكبير وشركاؤها، إلى تعزيز التضامن بين الأديان والأعراق من خلال الجهود المجتمعية التي تعمل على الحفاظ على التراث الثقافي في المغرب.

تم إنجاز هذا المقال بدعم من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID). تعتبر مؤسسة الأطلس الكبير المسؤولة الوحيدة عن محتواه والذي لا يعكس بالضرورة وجهات نظر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أو حكومة الولايات المتحدة